“الغربي” يزخرف باريس بالحرف العربي

غيرنيكا سورية في أوروبا

حاورته مناهل السهوي

في مُجمعٍ أثريّ وسط مدينة “آنجيه” الفرنسية ستصادف هذه الأيام فناناً يعمل على جدارية قماش يخطط عليها حروفاً عربيةً باللون الأسود، يراقبه العديد من الزوار ليرفع رأسه في النهاية ويقول بلكنة فرنسية خجولة “بونجوغ” ثم يحدثهم عن عمله، فعلى قطعة قماش بمساحة 30 متراً مربعاً يقوم الفنان السوري ياسر الغربي بعمله الأحدث والذي ترك أصداء إيجابية في الأوساط الفرنسية ليس لكون العمل سيدخل موسوعة غينس كأكبر لوحة جدارية حروفية على قطعة قماش واحدة بل لأن ما يحدث داخل قطعة القماش تلك هو تاريخ آخر لسوريا، تاريخ الألم والغربة بحروف عربية.  وللتعرف أكثر على هذا العمل كان لعالم نور اللقاء التالي مع الفنان ياسر الغربي.

 

داخل كلّ سوريّ غيرنيكا

استمد الغربي فكرة عمله من لوحة الغيرنيكا لبيكاسو وهي لوحة عن مدينة اسبانيا قُصفت من قبل الطيران الألماني والإيطالي، يقول ياسر: “استوحيت الفكرة من هذه اللوحة لأن الوجع ممتدٌ من غيرنيكا إلى سوريا، لا أحد يعلم ماذا عاش السوريون فداخل كلّ سوريّ أينما كان هناك غيرنيكا، نحن محطمون، تكسّرت داخلنا الكثير من الآمال والطموحات والأحلام، وهذه الجدارية هي الغيرنيكا الخاصة بي”.

دمج الفنان السوري بين كلمتي “غيرنيكا” وكلمة سوريا التي تلفظ “سيري” بالفرنسية ليصبح اسم عمله “سيرنيكا”، العمل الذي سيلتقط فكرته وهو في الطريق إلى مدينة “جانيه”، خلال خمس ساعات من السفر بين مدينتين سوف تولد فكرة عمل يحكي عن الوطن والطفولة والحنين.

يرى الفنان السوريّ أن الألم هو كالزيت في النهاية لابدَّ أن يطفو على السطح وهذا ما حدث معه هو الذي لطالما هرب من استثمار وجعه إلّا في حالاٍت نادرة وهي شخصية للغاية لكن هذه المرة لم يستطع الوقوف دون حراكٍ حيث وجد الفرصة والمكان المناسب والموضوع الذي سيضيف لقضيته: “هذا وجعي الذي يتقاطع مع وجع 90% من السوريين، أعتذر إلى كلّ شخصٍ سيؤلمه عملي أو سيحرك وجعاً قديم داخله، لكني لا أستطيع الهرب من ألمي أكثر، أحتاج أن أجسده، من حسن حظي أني لم أهدر وجعي على أشياء بسيطة وادخرته لأفرّغه على هذه المساحة”.

 

من الطين إلى الإسمنت

يؤكد ياسر أن النصّ المكتوب هو ارتجاليّ وتفاعليّ مع العمل، فمنذ وقف أمام عمله وهو قطعة قماش بيضاء تماماً حاول امساك الوجع والمشي معه عقدةً عقدةً ككفيفٍ يتلمس الحبل والعُقد، كلّ عقدة هي ذكرى للفنان السوريّ وهي ألمٌ كذلك، كان غارقاً في داخله منتظراً أن يتلمس عقدة جديدة ليكتبها ليبدأ من مفردة الطين وينتهي عند مفردة الاسمنت، عمِلَ الغربي على مفردات بعينها وهي العقد ذاتها التي تلمسها، مفردات لها تاريخ داخله، مفردات متشعبة تغوص عميقاً في ذاكرة الحنين خاصته تصنع كينونته وألمه وتفاصيل حياته بأكملها. يقول: ” كتبت كلّ ما فقدناه كسوريين ابتداء من خبز الأمهات ورائحته، رائحة أمي، طعم التراب، أنا ابن الفرات كنت أشرب المياه التي بطعم التراب، كتبتُ الحبّ الأول وعروق الأيدي لأني أحببت يديّ والدي بعروق النافرة، أتذكر تلك الصورة عندما كنت أقبل يديه كأن يديه كونٌ، استخدمت مفردات القمح والحصاد أنا الذي ولدت قرب البئر وثلاث شجرات توت كان يتوسطها طاحونةٌ قمح عمل فيها والدي”.

بيتٌ من الحروف

يردّد المغربي مطلع أغنية شعبية “بعد عيني يا ياسر يا بو قامة زينة” متابعاً: “كانت أمي تردد لي هذه الاغنية لذلك كتبتُ أغنيات الأمهات لأطفالهن، كتبت اسم دارنا (دار النور)، كان جدي يمتلك قرية صغيرة وكلما تزوج ولد من أولاده بني له غرفة طينية وسماها باسمه واسم أبي كان نور ثم بنى والدي بيتا اسمنتياً صار اسمه بيت النور!”.

ستبقى صورة الاسمنت غارقةً داخله ليتذكر منزله في حلب وقطع الاسمنت المهدمة وسيكون للوحل كذلك مساحته في مزيج مذهل من ذاكرة قائمة على الطين والاسمنت، فحين أقام في حلب تجنب زيارة القرية بسبب الوحل، يرى اليوم أن ما فعله كان ساذجاً فهو يشتاق للوحل حقاً!

يعود ياسر إلى الحرف مرة تلو الأخرى، يعمل عليه يحوره ويكثفه، وإذ ما تأملنا الحروف داخل لوحته سنرى كتلاً أقرب إلى الكتل الإسمنتية المحطمة، شعر ياسر منذ فترة طويلة أن الحرف قادر على خلق نصّ بصري دون الحاجة لنصّ كامل، هكذا أعاد تحوير الحروف حيث تأخذه في كلّ مرةٍ نحو اتجاهات أبعد.”

أرض الوطن، أرض اللوحة

“في لحظة ما أمشي داخل اللوحة وهو شعورٌ قويّ، هذه الجدارية قد تكون بحجم منزل من منازل الفقراء 30 متراً فقط أو أحد المنازل المدمرة، في تلك المساحة أستطيع النظر في كلّ الاتجاهات والوقوف في أيّ نقطة لامتلك حرية خلق علاقات شرعية أو غير شرعية مع الحرف فقد أُفرغه، أملاؤه أو حتى أكسره”، يخلق ياسر من لوحته مساحة لذاته حيث يتعلم العيش والسكن والحياة فتتخطى علاقته مع الحرف الفن أو الرسم أو التعبير عن ذاته حتى، فالحرف هنا هو مكان يوجدُ الغربي داخله ويعيد تشكيل هويته الإنسانية والبصرية والوجودية وكان قد كتب على صفحته على “الفيس بوك” حول هذا الأمر:

” أصنعُ سريراً أبيضاً كبيراً لكلّ حروفي..

أهدهدُها كما الأطفال لَترقُدَ إلى جانبِ بعضها البعض..

ثم أدسّ قلبي عند أول حرفٍ أشتهيه وأنام أيضاً”

يتابع الغربي: ” خرجتُ من سوريا عام 2010 ولا أودُّ العودة إليها لا حياً ولا ميتاً لكني معجون بهذه الأشياء ومكونٌ منها ولا أستطيع تغيير ما حدث وليس في هذا شيء من الازدواجية لأني حزين بسبب هذا الوطن وحزين عليه لكن لا أريد لحبل الوجع أن يبقى ممتداً إلى أبنائي من بعدي”.

وعن خروجه من سوريا يقول: ” اتخذت قرار الخروج من سوريا ثم من الوطن العربي لأسبابي الخاصة فأنا شخص أُغلقت في وجهي حتى ثقوب الإبر في سوريا، خرجت منها لأني لست موجوداً في هذا المكان والفرص محجوزة ومورثة لغيرنا، نحن مصلوبون على أرض الوطن، مصلوبون على أرض انكرتنا وتنكرنا، يوجد شرخ بيننا وبين التراب الذي ولدنا عليه وفقدنا لغة الحوار معه وفي مرحلة ما لم أعد استطيع المشي لا على الاسفلت ولا على الطين” يتابع قائلاً: ” السنوات الوحيدة التي أشعر بها عميقاً هي حتى سن السادسة، لم أكن فيها غريباً رغم أن قريتي كانت معزولة تماماً و لم يصل إليها حتى ساعي البريد، لا إشارات مرور فيها ولا اتجاهات إجبارية، لكنك تشعر وأنت تلعب كما لو أن قطيع خيل داخلك”، ينهي الفنان السوري متسائلاً وعائداً إلى نقطة الصفر ونقطة الوجع وتلك الدوامة التي يعيشها الكثير من السوريين: “هل تعلمين ماذا يعني أنك عاجزة عن الجلوس مع أمك مساءً على شرفة منزلكم أو أنني غير قادر على رؤية الأشجار التي زرعتها مع والدي!”.

 

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق