“الباوهاوس” المدرسة الفنية التي غيّرت وجه الفنّ في القرن العشرين

كتب زياد العامر

في عام (1919) وما بين الحربين العالميتين الثانيتين؛ وبينما كان العالم مُنشغلاً بتصنيع وتصميم القنابل، كان المعماري الألماني (والتر غروبيوس) قد ضجر من أسلوب العمارة الأوروبية التقليدي المتشابه كصفحات كتاب، وأراد أن يضع العمارة في مكانها القديم الذي صنفها فيها الإغريق كأحد أشكال الفنون الستة، وذلك قبل السينما بكل تأكيد، فما كان من ذلك المعماري الألماني سوى إنشاء المدرسة التي تخرج منها بول سيزان وموندريان وكاندنسكي والعديد من رواد الفن في القرن العشرين، إنها “الباوهاوس”  حلم رجل واحد  غيّر الفن في العالم بأسره.

قبل هذا التاريخ بعقود، أسس تلك المدرسة المعماري البلجيكي “هنري فان دي فيلدي” إلا أنه مع الحرب الوشيكة عده الألمان عدواً وأجبر على تقديم استقالته، فاقترح والتر جروبيوس كخليفة له مع زميليه هانس ماير ومايس فان دير روه، حيث أداروا المدرسة في مدنها الثلاث: برلين وفايمار وديساو. ومروا بها على الحرب العالمية لتصبح لاحقاً المدرسة التي غيرت تاريخ الفن في القرن العشرين دون أدنى شك.

“اجعلْ الشيء بسيطاً وعملياً. صمّمه وفقاً للغرض الذي خُلق من أجله” هذا  كان شعار المدرسة حينها، وكما تقول الإحصائيات أن اثنتين على الأقل من أكبر الشركات في العالم الآن، قد بنت تصميماتها وفقاً لمبادئ الباوهاوس، إذ تحكي الحكاية أن مؤسس شركة آبل الشهير ستيف جوبز، أراد الخروج من برودة تصميمات الشركات الشهيرة لأجهزتها في عهده، وأراد أن يتبنى منهجاً مختلفاً في التصميم يجعله يخترق بيوت العالم بأكمله، وقد وجد الجواب عندما حضر أوّل مؤتمر له في معهد آسبن، هناك؛ وفي حرم كولورادو الذي تم تصميمه من قبل خريج الباوهاوس “هربرت باير” تعرّف جوبز إلى مبادئ الباوهاوس وتبناها.

أنت الآن حين تحمل هاتفك الآيفون فإنك تُمسك قطعةً من الباوهاوس!. تقول  “هيويت إيميل أور” الأمينة المساعدة في شركة آبل: “إن كل تلك الخطوط الأنيقة والألوان الفاتحة والحواف المائلة والأشكال الهندسية هي  مظهر يدينون به جزئياً للتأثير طويل الأمد لـلـ Bauhaus”.

وأما ثاني الشركات العالمية التي تأثرت بالباوهاوس فهي  عملاقة الأثاث المنزلي (إيكيا)، فلدى إيكيا مبدأ واحد ذو أربعة  أبعاد، أطلقه مؤسس الشركة “إنفار كامبريد”، ويطلق عليه اسم”التصميم الديمقراطي” وتقوم أبعاده على:

1- الشكل يتبع الوظيفة

2- الجودة العالية

3- الإستدامة

4- السعر المنخفض

“إن مبدأ الشكل يتبع الوظيفة هو أحد أهم مبادئ الباوهاوس نفسها”. تقول “إيفاماريا رونيغارد” مديرة تصميم المنتجات في إيكيا.

لقد كانت مدرسة الباوهاوس “عالمية” إلى درجة أن النازيين أغلقوها بحجة أنها ليست ألمانية. مما اضطر غروبيوس إلى السفر إلى أمريكا واتخاذ مقر جديد للمدرسة  هناك وبينما تفرق تلامذتها وأساتذتها في أنحاء العالم، ساهم هتلر -دون أن يدري- في “عولمة” الباوهاوس، لقد أعطاها ما تحتاجه تماماً.

“كان مبدأنا الأساسي هو أن التصميم ليس مسألةً فكرية ًولا مادية، ولكنه ببساطة جـزء لا يتجزأ من عناصر الحياة الضرورية لكل شخص في المجتمع المتحضر”  كما يقول غروبيوس في مقالة له.

لقد دربت الباوهاوس طلابها على التصميم ابتداء حتى من “الأصابع” لقد كان لدى أساتذتها تمارين لتدريب الأصابع على الإسترخاء، ثم اليد، ثم الذراع، صممت نوافذ المدرسة حتى تتولى الشمس أمر إيقاظ الطلاب “كي يتذكروا الطبيعة” كما يقول غروبيوس؛ كما أن طلابها كان عليهم أن يصمموا بنيتها الداخلية من الأثاث ومصابيح الإنارة والنوافذ.

ولم تكتف المدرسة بالأثاث والعمارة، بل دخلت حركة الباوهاوس إلى الرقص والموسيقى والرسم، إذ يعد  “أوسكار شليمر” الفنان والمصم المسرحي الألماني، أحد أهم الأمثلة على تأثير المدرسة في الفنون. كما تحتوي قائمة الفنانين العالميين الخريجين من الباوهاوس على أكثر من عشرين اسماً عالميا أثروا في حركة الفن العالمية مما جعل حصر الفنانين المتأثرين بروح هذه المدرسة أمراً صعباً إن لم يكن مستحيلاً.

في العام 2008، اجتمعت لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو  وقررت ضمّ بناء الباوهاوس في مدينة ديساو الألمانية إلى قائمة التراث العالمي، فيما احتفلت ألمانيا عام 2019 بمرور مئة عام على تأسيس المدرسة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق