لمسةٌ من كعبك أحلى من كل الحضارات يا دكتور

سقراط.. في ذكرى وفاته

كتب هاني نديم

الصبيّ بسنواته العشر أفاق ليلاً على صوت هسهسة الأوراق ورائحة حريقٍ صغيرٍ تحت نافذته الواطئة..كان أبوه يحرق كتبه البلشفية عشية الانقلاب العسكري الذي بدأ رافعاً المناديل البيضاء وشعار: “نريد البرازيل بالأصفر والأخضر لا نريدها حمراء بمنجلٍ ومطرقة”! إلا أن “الأحمر” سرعان ما بدأ يأكل كل شيء وبدأت مظاهر العنف بالانفلات وتصاعد الهياج الجماهيري غير آبهٍ بصلاة وزيرة التعليم آنذاك “كارولينا” التي اقتحمت الحشود لتقول: “يجب علينا أن نصلي لله في وقت تغلي فيه قلوبنا بالغضب حتى لا نقع في إغراء التمرّد المرعب”.

الصبيّ بسنواته العشر التي أمضاها يلعب بين رفوف مكتبة أبيه الطيّب احترق قلبه مع تلك الكتب وهو يشتّم رائحة حريقها قبل أن يقرأها، فشبّ يلتهم الكتب التهاماً ويحبّ أباه حبّاً جمّاً فلم يخالفه بعدها أبداً؛ ورضخ لرغبته حينما قال له: أنت موهوب، إلا أنك حرّ في أن تكون لاعب كرةٍ (بعد) أن تتخرّج من كلّية الطب، وهذا ما جرى…

نعم. لقد صدق والداه حينما سمّياه سقراط، فقد كان حكيماً وذا أثر بالغٍ في كل من تواصل معه. كبر هذا “الرفيق” ليصبح د.”سقراط برازيلايرو سامبيو دي أولايفيرا” كابتن منتخب البرازيل لكرة القدم في الثمانينيات، بلحيته الكثّة وأكثر من 190 سنتمتر، وثقافةٍ هادرةٍ عززت أخلاقه الرفيعة التي ظلت دوماً تضعه في صف الفقراء ونصرة البروليتارية أينما وجدت.

لم يأت هذا اللاعب من بيوت الصفيح كما تقول الحكايا المغرية لوسائل الإعلام، لم يكن ذا بشرة فاحمة ولا “مربوع” القامة كالبرازيليين، استُدعي إلى منتخب البرازيل الأول لكرة القدم وهو طبيب ومن عائلة ميسورة، موهوبٌ بالفطرة وصاحب لمسة كروية خالدة. لم يُرَ خارج التمرين إلا وبين يديه كتابٌ يقرأه، صامتٌ وحكيمٌ، محبٌ وودود وصاحب أخلاق رفيعة. وهذا ما كرّس اسمه كـ”سقراط” مجازاً وحقيقة، إلا أن كل ما سبق لم يكن هو السبب ليحمل شارة “الكابتن” في زمن كانت فيه البرازيل تمتلك أسماءً مرعبة مثل زيكو وفالكاو وجونيور ودي سيلفا، من الصعب جداً أن تفهم لماذا أصبح هذا المدخن الشره كابتن أحد أهم فرق البرازيل عبر تاريخها!، إلا أن فالكاو  قد يجيبنا إذ قال: “إنها الطمأنينة بوجوده، أنت تلعب إلى جانب مثقف حقيقي وصاحب شخصية راسخة للغاية”.

الزمان: 1982 مونديال اسبانيا

المكان: ملعب رامون سانشيز بيزوان، إشبيليا

انتهى الشوط الأول من مباراة البرازيل والاتحاد السوفياتي بتقدم السوفيات 1-0، بين الشوطين؛ لم يكن لدى سانتانا ما يقوله لفريقه المحتشد بالنجوم سوى الحثّ على الفوز. يقف سقراط الصامت بغضبٍ وسط أصحابه ويقول: أنتم مجانين؟! كيف تلعبون الكرة في الهواء أمام هؤلاء؟ إنهم أبطال العالم في ألعاب الهواء وقفز الزانة عبر التاريخ.. فلنلعب على الأرض!

يقول فالكاو: اضطررت لأن ألعب كرةً في الهواء في شوطنا الثاني، فهرع إلي سيريزو وقال لي: العب على الأرض قبل أن يذبحنا هذا الشيوعي! أما زيكو فيقول: سقراط أذكى لاعب رأيته في حياتي، هدفه في الاتحاد السوفياتي يحتاج كتباً لتدريسه، أما هدفه في إيطاليا، فكان فلسفةً خالصة وحركة “شطرنج”، وإن سألت بيليه عن سقراط سيقول لك: لاعب أسطوري، يلعب بمؤخرة قدمه أفضل مما يلعب كثيرٌ من اللاعبين بمقدمة أقدامهم، ولكنك إن سألت سقراط عن بيليه سيقول لك: لا أحبه! إنه لاعبٌ خالدٌ انخرط في الإعلانات التجارية وغير هذا من “القمامة”!

لقد كان سقراط يسارياً حقيقياً، إن العالم ما يزال حتى اليوم يذكر عرض شركة “جيليت” أكبر صناع شفرات الحلاقة لسقراط كي يحلق لحيته بشفراتها في إعلانٍ دعائي مصور مقابل مبالغ طائلة، إلا أنه – بالطبع – رفض قائلاً: “أنا لا أبيع جزءاً من شخصيتى بأموال العالم كلها”، العرض الذي قبل به “بول برايتنر” اللاعب الألماني كما هو معلوم. يساريٌ لم يقبل بديكتاتورية العسكر وأعلن مواقفه بحزم وصلابة في وسائل الإعلام وأشهر معارضته من خلال اسمه الكبير ذي الحصانة الشعبية الهائلة، وحينما زادت الضغوط السياسية عليه في البرازيل وحُرم من امتيازاته وضويق ولوحق؛ قبِل بعرضٍ من نادي فيورنتينا الإيطالي، كانت إيطاليا هي التي عمّمت الثراء الفاحش للاعبين، مراهنات وصفقات، سيارات وقصور، حتى أفسدت اللعبة واللاعبين على حد تعبير سقراط الذي يقول:”كان اللاعب في إيطاليا يُعامل مثل نجم الروك، يُحظر أن تلمسه أو أن يتصل بالجماهير”. سقراط الذي لم تأخذه بهرجة المنازل الفخمة ولا سيارات اللامبورغيني والفيراري، فكان كثير ما يفقده إداريو النادي ليعثروا عليه في أحد متاحف فلورنسا يتأمل لوحةً. يسأله صحافيٌ آنذاك عن اللاعب الذي يحترمه في إيطاليا أكثر من غيره، فيجيب: “أنا لا أعرفهم، أنا هنا لقراءة ما كتبه أنطونيو جرامشي بلغته الأصلية، وكذلك جورجيو بوكا، ولكي أدرس تاريخ الحركة العاملة في إيطاليا”.

عاد سقراط إلى البرازيل واصطدم بالعسكر مجدداً، فقاد مسيرة نادي “كورنثيانز” الديمقراطية، النادي الذي طبع على قمصانه “ديمقراطية”، ليقول فيما بعد: “بقيت في ميدان كرة القدم فقط من أجل الوزن السياسي لمحاربة النظام القمعي الذي يقوده العسكر”، ومن المفارقات أن سقراط تلقى دعوة من القائد الليبي، معمر القذافي، عام 1996، عارضًا عليه الترشح لرئاسة البرازيل، على أن يلتزم هو بتمويل حملته الانتخابية بالكامل، إلا أنه رفض ذلك أيضاً.

العبْ كرة القدم أنت في البرازيل… هذه العبارة التي تعني بشكل أو بآخر “ابتسم أنت في البرازيل”، تلك البلاد المعقدة جغرافياً وتاريخياً والملتبسة سياسياً واجتماعياً، بلاد الجرائم المرعبة والمآزق الاقتصادية التي لا تنقضي، والمكان الذي يصدر القهوة ولاعبي كرة القدم…

في مقاربة للصحافي بريس دونان يقول: “البرازيل هي البلد الوحيد الذي فاق عدد لاعبيه المحترفين في الخارج عدد أفراد بعثاته الدبلوماسية، ففي عام من الأعوام كان هنالك 5 آلاف لاعب برازيلي حول العالم، حين كان عدد مبعوثيه الدبلوماسيين لا يتجاوز 1250 دبلوماسياً”. نعم، إنها البلاد التي تقدّس الكرة وتدمجها مع الموسيقا والشعر والرقص والتشكيل والسينما والجغرافية والتاريخ. في ولاية “آمابا” التابعة لأقليم الأمازون، حيث يمّر خط الاستواء من أراضيها، قام البرازيليون – أول ما قاموا – بإنشاء ملعب كرة وحرصوا على أن يمر خط الاستواء من دائرة “السنتر” وهو الملعب المعروف اليوم بـ”استاد الصفر الكبير”. هناك حيث يرفعون حتى يومنا هذا لافتات مكتوب عليها: “نفتقدك يا دكتور”. الدكتور الذي لم تأخذه “بهرجة” السامبا والمبالغة في الاستعراض الفردي والمهاري، بل اعتبر أن كل مباراة هي مهمة وطنية عليها أن تنجح وعلى الفرد أن يذوب في جماعته ليشكلوا عملاقاً من الصعب الوقوف أمامه.

عام 1980 كان سقراط يدخن علبتي دخان يومياً، ركع المدرب سانتانا على ركبتيه أمام سقراط كي يخففها إلى نصف علبة قائلاً إن الدخان يقف حائلاً بينه وبين المجد، ولكن سقراط لم يقتنع إلا بعد محادثة طويلة مع المدرب “الرفيق” جيلبرتو، فترك التدخين الذي يعشقه في المعسكر السابق للمونديال، وسط عاصفة من الاستهجان، وارتفعت قوته البدنية أكثر من الجميع لكي يحقق رغبة بلاده في الفوز بكأس العالم، إلا أنه لم يفز بقدرة قادر!، يقول سقراط عن ذلك: لقد خسرنا لأننا اعتقدنا أننا نفوز على الجميع ببساطة!.

سقراط لم يتصالح أبداً مع فكرة خروجه من كأس 82 بخفيّ حنين، ليحمل الصليب مرةً أخرى حينما أضاع ضربة جزاء أمام فرنسا في نصف نهائي 86 بالمكسيك، ويقول: لقد تعبت.. رجعت أدخن كثيراً، أريد أن أترك كرة القدم!.

بعد الخروج الحزين الذي لا يصدق من مونديال إسبانيا عام 82 ذهب مئات الآلاف من الجماهير البرازيلية إلى المطار لاستقبال فريقهم بلافتة كبيرة مكتوب عليها: “حلوةٌ كالانتصارات تلك الهزائم التى يبقى فيها الرأس مرفوعاً”.

قبل وفاته بقليل، يقول سقراط للصحافي مازحاً: “أحب كاسترو وجون لينون المناوئ للحرب، عندما سميت ابني فيدل، قالت لي أمي هذا اسم صعب بالنسبة لطفل. فقلت لها انظري ماذا فعلت بي عندما سميتني سقراط”. يصفن ويقول في آخر الحوار: “حسناً ، أنا أشرب ..وأدخن.. وأعتقد”.

قال عنه أحد الصحافيين المرموقين في البرازيل: لقد أطلق سقراط النار على المجد وقرر أن يركل حياته آخر الأمر بإدمانه على الدخان والكحول”. مات صباح يوم عادي من 2011 بتشمّع الكبد ليكرر سيرة “غارنشيا” من قبله، مات وخرجت الحشود إلى الشوارع لتكريم هذه الشخصية الاعتبارية. رثته البرازيل على لسان رئيسها أنذاك، ورثته دول بشكل رسمي، بينما أفردت له مجلة الإيكنوميست العريقة ملفاً كبيراً يتحدث عن شخصية رياضية لأول مرة في تاريخها وهي المتزمّتة والملتزمة بالاقتصاد.

يقول عنه الصحافي البرازيلي المرموق ايثين دولا: “كان لاعباً لا يُصنّف، يلعب بهدوء الساعة الرملية دون صخب، أوتذكرون المعلق الرياضي سوتيراس حينما قال: انظروا إلى زيكو كيف يقود الكرة؛ أنظر إلى فالكاو وتلك الرؤية البانورامية لديه؛ انظر إلى تموضع سيريزو، انظروا إلى حيوية جونيور، وما إن وصلت الكاميرا إلى سقراط ظل سوتيراس صامتاً.. الملعب يهدر والسيد صامت. لديه الحق.. لا توجد كلماتٌ لتعريف هذا الشلال والتسلسل الهرمي الجسدي والتكتيكي والأخلاقي على العشب. لقد كان قائدًا مسالمًا، بلا لوحات أو صراخ. كان حقيقياً يكره المانشيتات”.

في عام 1988 قررت المغنية البرازيلية “اوزيتي” أن تخلّد سقراط كظاهرةٍ طبيعيةٍ فذةٍ، فغنّت له أغنيته التي رددها الملايين. تقول الأغنية:

“سقراط سامبايو دي سوزا فييرا دي أوليفيرا

سقراط قدّم رزمةً من نور الفلسفة لكرة القدم

فسقطت الشمس على العشب وتكسّرت بلوراتها في شظايا و

الأسماء ارتدت ألوانها

واستمر الصراع بين الرجال حتى صافرة النهاية..

قالوا: الآلهة خالدة، والتاريخ لا ينسى..

وأننا إن بكينا من هدف سوف نتذكر الجمال إلى الأبد

رغم أنه لم يُهزم أحد

ولكن من سيأبه للفوز في بلاد فاز فيها وذاب.. الذهب!

إذا لعبت مع القدر والأناقة الراقصة والتفكير

يا شريك الفلسفة الكبير

لمسةٌ خفيفةٌ من كعبك أجمل من الحضارات يا دكتور”.

 

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق