نحو نوبل أو جائزة أقرب!

 

كتب أحمد محمد السح

معتمداً أسلوب البحث الأكاديمي المقيت، ومتجاهلاً النبش في ذاكرتي، كنت أركض وراء السرّ في الوقوع في فخ الأدب، عن اللحظة التي تصبحُ فيها فريسة صنارة الكلمات، وطريدة لهاث المعاني. اعتبرت حينها أن عليّ قراءة الدراسات والأبحاث والتجارب الخاصة بكتّاب مكرّسين لأعرف منهم وعن طريقهم الفهم التنظيري لتفسير سرّ الكتابة، ولكنني كنت أخاف من أنبش في ذاكرتي حيث أجد نفسي في التاسعة وأكتشف حينها أن موضوع التعبير في المدرسة يمكن أن تكتبه بطريقةٍ مغايرة للأسلوب الإنشائي الهتّاف الذي كان معتمداً في أصول التدريس المدرسي. في ذاك السن “تتعرف” وبعدها بعدة سنوات “تظن” أنك قادرٌ على التأليف، ولأن الكتابة من حيث التكاليف المادية لا ترهق الفقراء المتعلمين، فهي لا تحتاج إلى مصاريف ولا تلفت نظر الأهل المرهقين بالديون، فيسقط فيها الفقراء، إذ أنك تخاف أن تطلب من أبيك شراء كمانٍ لك أو عود، أو أن يرسلك إلى معهدٍ يعلمك أصول الرسم أو الغناء، لذلك تبدأ بالقراءة، والقراءة أو “العلم” شيءٌ مَرْضِيٌ عنه وغير مذموم، وهنا تبدأ علاقتك السرية مع الورقة، لتشعر أن أشياء في داخلك تتغير بينما ينمو جسدك وفهمك لما في الحياة، ويتحتم طريق الانزلاق حين تسرق المال وتلحق شراء الكتب وتهريبها بقصد تشكيل مكتبتك الخاصة، وهناك في تلك المرحلة، على من يعرفك أن يدرك أنك صرت مُلْكَ الشعر والأدب، وأن لا رادّ لك من هذه المملكة إن لم تقرر أنت الخروج منها، حاقداً بعد فشلٍ أو انكسار.

تأتيك بعدها شهوة النشر، أي الرغبة في أن تخبر الآخرين بما تكتب، تحاول أن تراسل الأدباء الذين  تقرأهم أو الصحفيين الذين تعرفهم، تتحرش بمدرّسي اللغة العربية مهما كانوا نصّيين وغير معتنين بالأدب والكتابة، في تلك المرحلة تكون في ذروة الإبداع لأنك تكتب بكل ما لديك من خلايا، غير باحث عن أسس المدارس النقدية ولا أراء المنظّرين، تكتب لأجل الكتابة، تقلّد وتبدع وتتلصص على كل ما لدى غيرك من إبداعات، تتضخم أناك وتصير شاعراً مالئاً للدنيا، بينما أنت تتعثر في حياتك الخاصة، ترتبك بين أن تقول أو لا تقول ويكون أهلك أساساً غير معترفين بما لديك، وغير مهتمّين بما تكتبه أساساً.

ومع الانهيار الاقتصادي الذي تعيشه ومع فقر الشعراء وتعثّر الأدباء تحاول مسايرة الصحافة أو التلفاز أو الإذاعة لأنك تعرف إن أنت اعتمدت الشعر وحده دون سواه سيصير حالك حال «أمل دنقل» حين كان يجوب شوارع القاهرة باحثاً عن صديقٍ يؤمن له ثمن طعام غدائه؛ ولأن الشعر والأدب في بلدان السعادة العربية تتعشق بالسياسة والسجون والمعتقلات؛ ولأن الفكر هو أخطر ما يمكن أن تحاربه أنظمة السلام والتنمية التي نعيش في كنفها، تبدأ بالمداهنة، وإن حدث وتورطت، ستتحول إلى كاتب سلطة، أو كاتبٍ نصف مشاعر يتحدث عن القهوة الصباحية أو فساتين النساء المطرزة التي لا تخدش الحياء، هنا تكون قد صرت أديباً مرضياًّ عنه وقد يكرسونك أديباً مهماً، وتنال الجوائز، ويسيل لعابك.. ولكنك في النقطة المضيئة الأصدق في داخلك، تعرف أنك لست أديباً وأنك تحولت إلى موظف كتابة غير الذي كنتَهُ في طفولتك العاشقة الصادقة.

تغريك الجوائز كما تغريني، ولكن كيف يمكن لكاتبٍ عربي في هذا الأيام أن يردد أسماء كل من نالوا جائزة نوبل للآداب منذ عام 1901؟ وهل استطاع أحدنا أن يقرأ منتجات كل هؤلاء حتى يومنا هذا ليجد القواسم المشتركة التي يمكن أن تقنع اللجنة لاختيار اسمك في الجائزة، بالطبع هذا صعب إن لم يكن مستحيلاً، فتقنع نفسك بتسييس الجائزة، وبأن «أدونيس» لن ينالها طالما أنه سوري، وأن «نجيب محفوظ» لم يحصل عليها إلا حين وقّعت بلاده اتفاق كامب ديفيد، ومثلهما «سيفتلانا ألكسيفييتش» التي هاجمت الروس فأحبها الغرب، ولك أن تجد منتقدين كثر لكل اسم من أسماء الذين نالوا جائزة نوبل، فيضطر البعض إلى الجوائز القريبة، وربما اليوم تجد جوائز ليست كرتونية حتى إن إلكترونية مدموغة على ملف نصي مخطط بطريقة ساذجة تنتجه جهاتٌ غير معروفه ويلصقه كتاب معروفون أو شبان على حيطان صفحاتهم الفيسبوكية! لنيلهم جوائز خلبية لا تغني ولا تفيد. فكيف يمكن أن تحافظ على روحك، وتكتب لنفسك دون أن تفتح عيناً على الورقة وعيناً على جائزةٍ!

إنها سرّ خطير يعرفه الكتاب ولا يجيبون عنه بل يتعهدون أن الجوائز لا تعنيهم، ولكن البشر بطبعهم يحبون أن يتم تقديرهم وأن يتم احتضانهم واحتضان أفكارهم وأرواحهم المرهقة وخاصة إذا ما كانوا أدباء، تتقاذفهم رياح الكتابة، وفي كلّ وادٍ أو جبلٍ يهيمون.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق