هيلين زغيب تتبنى قضايا اللاجئين

 

كان ربيعاً، ليصبح صراعاً مفتوحاً يعيشه العالم العربي اليوم، هكذ قالت الفنانة والمصورة اللبنانية هيلين زغيب، التي ولدت في بيروت وانتقلت إلى واشنطن بعد تخرجها من كلية الفنون البصرية والأدائية بجامعة سيراكيوز 

تدور أعمال هيلين حول الهوية الثقافية والحياة الأسرية واللاجئين والنزوح في الشرق الأوسط والربيع العربي والحرب الأهلية اللبنانية. يجمع أسلوبها فن البوب مع الزخارف العربية من أنماط هندسية والزخرفة بالأزهار وتوجد أعمالها ضمن مجموعات بارزة في العالم كالبيت الأبيض والبنك الدولي ومكتبة الكونغرس ولها أكثرمن 20 معرضاً فردياً في الولايات المتحدة والشرق الأوسط.

وقد كتبت ” مارينا بلوتينكوفا” خبراً مطولاً عن هيلين قالت فيه: “استدعت وزارة الخارجية “هيلين زغيب” لتطلب منها لوحة خلال محاضرة عُقدت هذا الأسبوع في مركز الدراسات الحكومية والدولية بجامعة هارفارد. وطُلب منها تقديم شيء يخص المناسبة، فأبدعت في قطعهتا الفنية “Re Imagined Peace”  التي تصور مشهد من المباني والمآذن المقببة بألوان زاهية تتخللها أشكال هندسية في حين تخلو اللوحة من البشر وتقتصر على المدينة المبهمة في الشرق الأوسط فتتطلع إلى السلام في مستقبل باهر”.

يتم عرض أعمال الفنانة الأمريكية اللبنانية الأصل اليوم في CGIS تحت رعاية مركز دراسات الشرق الأوسط، وسبق أن عُرضت لوحاتها على نطاق واسع في البيت الأبيض ومكتبة الكونغرس وعدة أماكن عامة أخرى، وتتسم لوحاتها بالتفاؤل الدبلوماسي غالباً حتى عند تصوير أشخاص يمرون بظروف يائسة كهؤلاء الذين لاذوا بالفرار من كوارث الحرب في سوريا تاركين منازلهم سعياً للهجرة إلى أمريكا وأولئك الذين يبيعون كل ما يملكون في الشارع لإطعام أسرهم.

لوحات تختص بالمهاجرين إلى أمريكا من كل الأعراق والقارات، أفريقيون يهاجرون إلى المدن الشمالية وأسراب من اللاجئين الشرق أوسطيين تتدفق باتجاه أبوب الفرج التي تدعى أوروبا، ويبدو المهاجرون في لوحة “زغيب” أكثر ثفاؤلاً وإيجابية من العادة وذلك يبدو من خلال تصويرها للنساء اللواتي ترتدين الحجابات والعباءات المخططة والملونة مما يمحي انطباع الاندفاع والعجلة لتبدو شخصياتها أكثر هدوءاً واتزاناً.

تهتم “هيلين زغيب” بالتأثير الإنساني لأعمالها ولكن نمط لوحاتها يشوّه حجم العبء الذي يتحمله الناس في أزمة اللجوء، وتعمل جاهدةً على تعزيز كرامة هؤلاء الناس فتسلط الضوء على تقاليدهم وطرق حياتهم التي حملوها معهم.

يمثل هذا العمل جزءاً من مشروعها الأكبر للترويج للصور الإيجابية للعرب والدول العربية فلا تسعى لتجاهل الأزمات التي يمر بها الشرق الأوسط بل تعمل على  استخلاصها من جمال حياتهم اليومية. تعتمد في معظم أعمالها على “الغواش” وهو لون مائي معتم ينتج عنه ألوانًا زاهية غير لامعة، واستخدمت في الآونة الأخيرة وسائل متعددة مثل الملابس والأحذية والبلاط واللوحات الخشبية لاستحضار سبل الحياة بعد مخلفات الحرب.

اضطرت “هيلين زغيب” للفرار من العنف عندما كانت طفلة، إذ نشأت في بيروت فكان أبوها عربياً وأمها أمريكية وتم تهجيرهم مرتين، الأولى خلال حرب 1967 مع إسرائيل، والثانية خلال الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1975 حينما كان يعمل والدها بالسفارة الأمريكية هناك، لذا فقد تمكنت من الفرار مع ووالدتها وشقيقاتها، وعبّرت بقولها “لم يهرب سوى من كان لديهم القدرة المادية للسفر، فعندما ركبنا سيارة مصفحة للوصول إلى المطار كان يحيط بنا أفواج من الناس يشقون طريقهم إلى باب الطيارة محاولين الفرار من القتال”.

رغم كل ما سبق لا تعتبر”زغيب” نفسها فنانة سياسية وتقول: “أعتقد انني أتحدث عن الناس الذين يدفعون ثمن الحرب من نساء وأطفال” وهذا الأمر سياسي بحت ولكن تصوره “زغيب” برؤية إنسانية بعيداً عن الأطراف السياسية المتصارعة في الحرب الأهلية اللبنانية أو اتخاذ أي موقف يدين أو دعم لثورات الربيع العربي حيث يمثل المهاجرين في لوحاتها قضيةً أخلاقية لا سياسية.

وفي رحلة إلى “أمريكا” كان القارب مليئاً بالمهاجرين _من بينهم والدها_ يقترب إلى شاطئ “نيويورك” فيلقي “تمثال الحرية” التحية عليهم وتظهر خلفه ناطحات سحاب ومباني ذات أشكال هندسية منمقة باللونين الأزرق والبنفسجي، تذكر “زغيب” كلمات والدها: “سهروا طوال الليل لأنهم سمعوا أنهم سيرون تمثال الحرية” وعبرت عنها بأعمال فنية تدعى ” القصص التي أخبرني بها والدي” وهي سلسلة من مذكرات عائلتها في سوريا ولبنان.

تستذكر هذه السلسلة أيضاً الأعمال الأولى للفنان “مارك شاغال” لتستنسخ من أعماله مشاهد يومية من الحياة القروية  كولادة طفل وجمع التين في الحديقة وحمل االجرات المزخرفة لتعبئتها من النبع.

يظهر عدد قليلٌ من الرجال في لوحات “زغيب”  حيث عرضت العديد من اللوحات في سلسلة “الربيع العربي” امرأة واحدة ممثلة في صورة ظلية لصور العباية المزخرفة بأزهار أوالمزودة بكلمات عربية أو بأشكال تقليدية أخرى فتزيح “زغيب” عبء تحديد مكانة المرأة في الربيع العربي عن كاهلها وتتركه لقرارة نفس من يشاهد لوحاتها (فهل تبرزالمرأة العربية وتتميز بحجابها أم أنه يخفي معالم شخصيتها؟) وتُظهر أعمالاً أخرى نساء واقفات خلف المشربية_وهي نافذة زجاجية منحوتة ومزخرفة بدقة. وقد سُئلت “زغيب” مرةً في إحدى معارضها عن شعور النساء العربيات بارتداء العباءة ولكنها لم ترغب بإطلاق الأحكام الأيديولوجية وآثرت عرض شخصياتها بطريقة أنثروبولوجية.

وقالت “تختلف وجهات نظر النساء عن الحجاب، وتتقبله كثيرات منهن كما تتقبل النساء الغربيات طقوساً قسرية تزيد من جمالهن”. تستخدم “زغيب” حس الفكاهة في بعض أعمالها لإخفاء بعض القضايا الاجتماعية وتتأثر بالفنان التشكيلي الأمريكي ” روي ليختنشتاين” والذي يمثل موجة “البوب” فيظهر ذلك في أعمالها مثل: “عباية تقود السيارة” وامرأة ترتدي عباية تمسك بعجلة سيارة والتي تعد في بعض بلدان العالم صوراً تخريبية، كتلك التي تصور امرأة تحدق في من يراها وتميل إلى الأمام فتبدو وكأنها على عجلة من أمرها وتود الرحيل.

يتميز معرض أعمال زغيب “الربيع العربي – رحلات غير مكتملة”  بالطابع الإنساني الذي يتغلب على السياسة من خلال الفن” ويشكل نقطة اتصال مهمة بين الأزمة العالمية المتنامية للاجئين والنازحين داخلياً، وجهود البنك المستمرة للمشاركة في الإعمار والتعافي ومعالجة الأسباب الجذرية للصراع والعنف وهذا المعرض هو سلسلة تعمل عليها الفنانة منذ عام 2010  كاستجابة لأحداث الربيع العربي، وتسعى سلسلة زغيب إلى تسجيل هذا التحول الاجتماعي بصرياً وتوثيق مراحل الرخاء والتغيير ومطالبة المشاهد بمواجهة فهمه الخاص للهجرة والثقافة العربية والأزمة الاجتماعية والاقتصادية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق