وراء كل “فولتير”… “إيميلي”!

في ذكرى ميلاده

كتبت مناهل السهوي

يبدو الحديث عن العلاقة بين فولتير وتفاحة نيوتن مستهجناً ربما، لكن ماذا لو عرفنا أن فولتير هو السبب في انتشار قصة تفاحة نيوتن الشهيرة؟ وأن الفضل في معرفته يعود إلى إيميلي حبيبة فولتير الشغوفة بالعلوم والفيزياء والتي ترجمت نيوتن في وقت انحصرت المعرفة في فرنسا بين النخبة فقط.

إنها قصة حب بين شاب اسمه “فولتير” له من العمر 39 عاماً وفتاة تدعى “ايميلي” كانت في عامها الـ 28. جابرييل ايميلي دو شاتليه كانت ماركيزة وكاتبة وفيزيائية ورياضية فرنسية وتعتبر ترجمتها لمبادئ نيوتن في الفيزياء وتعليقها عليه من أهم اسهاماتها العلمية، أما فرانسوا ماري آروويه 1694- 1778 المولود في باريس يوم 21 نوفمبر لعائلة برجوازية سيغير اسمه لاحقاً ويدعى فولتير.

ارتباط فكريّ وعاطفي

ينجذب الثنائي إلى بعضٍ خلال إحدى الحفلات لتجمعهما لاحقاً علاقة حبّ دامت خمسة عشر عاماً، إذ كانت إيميلي قد قرأت فولتير مسبقاً وأعجبت بأعماله، كما أن الثنائي امتلكا بعض الأصدقاء المشتركين، من خلالهم عرف كلّ منهما الآخر، وقد كتبت إيميلي في إحدى رسائلها للدوق رشيلو وهو صديق مقرب لفولتير تقول: “كيف لها أن تخفي عنه أن فولتير كان الرجل المثالي!” ولن يتوانى فولتير كذلك عن إظهار إعجابه بها وبذكائها وطريقتها في الكلام، كانا ثنائياً متكاملاً ومتقداً بالأفكار، وقد صُدِمَ المجتمع الباريسي من إعلان علاقتهما وخروجهما أمام العامة، خاصة أن ايميلي كانت متزوجة.

كان فولتير في تلك المرحلة في أوج نجاحه وقد ذاع سيطه في فرنسا بكتابته التي راهن فيها على الضحك لإثارة سخط الشعب، فغدت الفكاهة والسخرية أسلحة فولتير ضد الجنون والظلم والتعصب الذي كان يجد أنه مرض نكتسبه كالجدري، مدافعاً عن حقوق الشعب وحريته وإنسانيته، فمهمة الإنسان الأولى هي تولي مصيره بنفسه وتحسين شروطه، ورغم أنه لم يقل اسم العلمانية صراحة لكنه يعتبر من أوائل من نادوا بفصل الدين عن الدولة في فرنسا في وقت كانت الكنيسة لاتزال تحكم بقبضتها على كلّ شيء، ليضمّن فلسفته بطريقة ساخرة وذكية في أعماله التي كانت منقطعة النظير من حيث الغزارة فيكفي القول أن هناك حوالي عشرين ألفاً من الخطابات التي كتبها..

حياة فكريّة مشتركة

انتقل الثنائي لاحقاً إلى قصر يعود إلى أجداد زوج إيميلي ويبدو غريباً موافقة الأخير على هذه العلاقة، قام فولتير بتجديد القصر على نفقته الخاصة وتحمل نفقات ايميلي كذلك، كان حلمه الحصول على بيت في الريف حيث يستطيع الكتابة والتفكير، ومن الجدير بالذكر أن فولتير كان يؤكد على أهمية الاستقلال المادي للكاتب حتى يتمكن من الكتابة بحريّة دون أي مخاوف، بل كان كذلك يسعى إلى حياة الرغد والرفاهية التي عاشها حقاً حيث كان يقدم لايميلي المجوهرات على الدوام، وليحقق هذا التوازن انخرط في أعمال تجارية فعمل في صناعة الساعات في سويسرا ليتجه لاحقاً ويغدو جاسوساً في النمسا لصالح بلده فرنسا وهو ما قد يجده البعض قاسياً من جهة فيلسوف وكاتب منح كلّ وقته ليقدم إلى الإنسانية واحدة من أهم التجارب الفكرية.

عاش الثنائي داخل علاقة عاطفية وفكريّة جذبت الأنظار إليها، تقاسم فولتير وايميلي ذات القيم والأفكار وهذا ما قد وحدهما أكثر، حيث كانا يعملان خلال اليوم ليجتمعا في نهاية النهار ويتحدثا عن عمل كلّ منهما ومما لا شك فيه أن علاقتهما كانت قائمة على توافقهما الفكري وتشجيعهما لبعضهما وإيمانهما بقدرتهما على تقديم شيء مميز للعالم.

جمع كلّ من فولتير وايميلي 21000 كتاب درساها معاً، وتناقشا في محاورها، شجعها فولتير على تعميق معارفها في الرياضيات والفيزياء، فقد رأى فيها الموهبة والتفوق في مجال العلوم الطبيعية، وتعتبر إيميلي من أوائل النساء اللواتي دخلن هذا المجال، ويظهر من خلال علاقتهما احترام فولتير لأفكاره في المساواة واحترام الآخر حيث قدّر دوماً عملها وشجعها مشيداً بذكائها، وقد تعرضت هي وفولتير لسخريةِ وانتقادِ سيدات البلاط لكن مكانتُها الاجتماعية كانت تحميها وتؤمن لها سنداً قوياً.

فيما بعد تترك ايميلي فولتير بعدما فترت علاقتهما مع مرور الأيام لتقع في حبّ الشاعر دي سانت لامبرت، لكن الثنائي سيحافظ على مودة كبيرة بينهما، لتتوفى ايميلي بعد ثلاث سنوات أثناء إنجابها طفلةً لن تكتب الحياة لها أيضاً. ستكون خسارة فولتير لايميلي كبيرة وسيكتب في رسالة إلى أحد أصدقائه بعد وفاتها: “لم أفقد عشيقة، بل فقدت نصف نفسي، روحٌ يبدو أني صُنعتُ لأجلها”.

تشكل علاقة فولتير وايميلي واحدة من قصص الحبّ والفكر الملهمة، قصّة كانت سبباً مباشراً في نجاح اثنين من أهم مفكري عصر التنوير في فرنسا، حيث كانت ايميلي امرأة داعمة بحقّ لعمل فولتير الذي شكّل عمله جزءً أساسياً من الثورة الفرنسية التي ستأتي لاحقاً.

 

 

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق