“أحمد زكي” شلالٌ هادرٌ من التمثيل والشخصيات

في ذكرى ميلاده..

كتبت مناهل السهوي

لُقّب بالحرباء، لقّب بالعبقري، لقب بالنمر الأسود، الامبراطور، كل هذا قد يكون دقيقاً، إلا أن الأمثل بالنسبة لي كمدخل لهذا الشلال المتدفق من التمثيل أن نعرف بأنه احتفظ بعد نجوميته التي بلغت الآفاق بحذائه المهترئ الذي جاء به لأول مرة إلى القاهرة! إنه واحدٌ من أهم الممثلين في تاريخ مصر والعالم العربي، الممثل المصريّ أحمد زكي المولود في مدينة الزقازيق يوم 18 نوفمبر من عام 1949، درس في معهد القاهرة للفنون المسرحية وتخرج بدرجة ممتازة. بشخصيته القادمة من قلب مصر، من تلك الأزقة حيث عربات بيع الكشري والفول والكعك سيغدو وجهه أحد أبرز الوجوه الفنية المصرية والعربية، سيحبه المشاهدون لأنّه واحد منهم، ليس غريباً عن حياتهم، لن يكون ممثلاً وحسب بل شخصية خرجت من بين عائلاتهم وأصدقائهم، إنّه يكمل حلقة الحياة المصرية بوجهه الأسمر وصوته وملامحه التي تراها في كل مكان.

الشارع المصريُّ داخل الممثل

نستطيع القول أنّه الممثل الذي لا يصعب عليه دور فابتداءً من حارس العمارة وصلاً إلى دور رئيس الجمهورية سيقدم مشهدية منقطعة النظير ورسماً دقيقاً وعميقاً في شخوصه وكأنّه ولد على هذا النحو حتى وجد صعوبة في بعض الأحيان في الخروج من شخصياته، سيمثّل العديد من الكاريكاتيرات التي تصادفها في حياتك، ابتداءً من الطالب الخجول، الابن المثقف، السياسيُّ الماكر والجندي البسيط حتى دور الأديب حين لعب دور الكاتب طه حسين، مقدماً الشارع المصري بكلّ صدق، فهو يعلم أن شخوصه موجودةٌ داخله وما عليه سوى مساومتها بذكائه لتخرج تلك الشخصيات المرة تلو الأخرى وكأنّ ذلك الرجل يمتلك مصراً أخرى داخله.

من لا يتذكر دوره في “مدرسة المشاغبين” “أحمد الشاعر” ففي حدود شخصية ثانوية فرش موهبته كاملة ليلحظ النقاد سريعاً موهبة استثنائية رسمها بوضوحٍ أكبر مع مسرحية “العيال كبرت” في دور “كمال” حيث ستكون انطلاقة الممثل الحقيقية ويطبع برفقة العديد من الممثلين المصريين في ذاكرة جمهوره خفّة دم وكوميديا مصرية خاصة باتت جزءاً من تراث المنازل العربية على شاشاتها الصغيرة.

لعبة السياسة والتمثيل

تمتد تلك الموهبة لتتقمص الأدوار حتى السياسية منها، فالممثل الذي قيل عنه أنّه كان يضرب زملاءه بشكل حقيقي سيلبس عباءة السياسة ويدخل بدور جمال عبد الناصر في فيلم “ناصر 56” ويحقق نجاحاً منقطع النظير حتى توقف عرضه لاحقاً بقرار من الرئيس السابق حسني مبارك، توقف جمال عبدالناصر في أحمد وأحمد في ناصر لكنه عاد بعدها بدور أنور السادات في فيلم “أيام السادات” لكنه سيفهم هذه المرة لعبة السينما السياسية ويشير في فيلمه إلى حسني مبارك تجنباً لمنع عرض الفيلم مرة أخرى، وسيتابع زكي نجاحه الباهر في لعب الأدوار السياسية في فيلم “معالي الوزير”، ويؤكد الفيلم تلو الآخر على موهبة لا حدود لها تمتد في أجساد شخوصها وتبني داخلها حقيقة الحياة وخصوصية الممثل معاً، واحترافية في الأداء ستتوج صاحبها بلقب رئيس جمهورية الممثلين لتميزه في أداء الأدوار السياسية.

الرحيل وأثر لن يزول

تزيد أعمال أحمد زكي على 90 عملاً، ما بين السينما والتليفزيون والمسرح، تزوج من الممثلة هالة فؤاد وانفصلا لاحقاً بسبب محاولته منعها من التمثيل! ليتوفى بعد صراع مع سرطان الرئة عام 2005 ولن يكمل تمثيل فيلم “حليم” الخاص بحياة الفنان عبد الحليم حافظ ليكمله من بعده ابنه هيثم. سيُنعى الفنان المصري من قبل أهمّ فناني العالم العربي ويلاقي محبة كبيرة خلال مرضه، الأمر الذي سيكون عزاءً لطفولةٍ صعبة ولقسوةٍ لاقها مبكراً، تاركاً فراغاً لن يملأه فنان آخر، فتلك الشخصية الخاصة التي عبرت بالتمثيل عن إمكانيةٍ لا حدود لها في ارتداء العالم الخارجي وتقديمه داخل قالبها الخاص ستكون دوماً غير قابلة للتكرار.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق