اليسار بين الروم والفرس
أميمة الخميس

بعد ما يقارب ستة أسابيع ما برح الحراك الشعبي في لبنان محتفظاً بنقاء ماء ينبوعه الأول، لم يخالطه الشعار أو تقتنصه الأيدلوجيا، حتى أنهم اختاروا له اسم حراك شعبي نجاة به من مصطلح ثورة المثقلة بحمولتها السياسية .

فالمشهد يتصدره الإنسان المقهور الذي غادر منزله وانسكب في الشوارع باحثاً عن كرامة العيش الإنساني، وسط مجتمع متشظٍ طائفياً.

وإلى الآن لم تستطع جهةٌ ما أن تستثمر في هذا الحراك أو تخترقه حيث مازال هتاف الشارع هو (كلن يعني كلن) في توق فطري لتفكيك كل محاورالقوى التقليدية والتكتلات التي صنعتها الكوتا السياسية، التي بدورها أفضت بلبنان إلى طائفية مؤزلة تحجبه عن الدولة المدنية الحديثة /دولة الحقوق والمؤسسات.

خمنّت في وقت ما أن أكثر الجهات المرشحة للاستحواذ على هذا الحراك هو اليسار اللبناني، فهو من ناحية لم يتورط بلعبة المحاصصة السياسية واقتسام الغنائم والبدلات الغامقة الأنيقة ذات الجيوب المتعددة , ومن ناحية أخرى ظل يحمل هيئة المناضل النبيل خالي الوفاض واليد إلا من حفنة أحلام.

لكن مشكلة اليسار إنه لم ير العالم منذ الأربعينات إلا عبر النظارة اليسارية، بينما لم ير العالم دقيقاً لجعجعته.

(لقد ساهم الحزبُ الشيوعيّ في إنضاج هذه الانتفاضة) هكذا يرى الأمينُ العامّ للحزب الشيوعيّ اللبنانيّ حنا غريب مسارَ الانتفاضة اللبنانيّة وغايتَها. محاولا أن يتماهى مع زخم الحراك عبر قواميسه التي تحتشد بمفردات النضال والثورات، وعلى عدة صفحات أفردت مجلة الآداب لقاء لحنا غريب طرح فيها عموم رؤيته ومنظوره الخاص حول الحراك اللبناني الآن.

عموما مجلة الآداب هي المعقل الأخير لليسار اللبناني الذي ما برح يلمع صدأ أطروحات ثورجية تناهض (الإمبريالية – طغيان النيوليبرالية- التصدي للمشروع الأمريكي في المنطقة)، وكانت بالطبع العوازل الأيدلوجية تعزل عن محرري المجلة نبض هدير الشارع أسفل مكاتبهم، والذي يضج بطلبات المواطن البسيط، في العدالة –مقاومة الفساد –الكرامة الإنسانية .
اليسار يقصي ذلك الحراك عن بساطته , ويسربلونه ببدلة النضال المرقطة , ويصنعون منه زخما شعبيا لمقاومة المشروع الأمريكي في المنطقة، بينما الأعين مغمضة تماما عن المشروع الفارسي وطرف الهلال الشيعي الذي يخترق خاصرة لبنان.

معتقل الأيدلوجيا يعجز عن النبش في جذور قضايا مجتمعات متخلفة ضعيفة أصبحت أرضها مسرحا للمشروعات الاستعمارية الدولية الإقليمية، نتيجة لأرث يغور عميقا في التاريخ مكرسا الفسيفساء الأثنية والمذهبية ,والطبقات الأركيولوجية للحضارات التي توالت على العالم القديم، وخرائط الاستعمار التي حرصت على أن تضرب أسفينا في خارطة (سوريا الكبرى).

هذا السجن الأيدلوجي والتفسير المختزل للأزمة اللبنانية قد يفسر لنا أيضا طبيعة التحالفات التي يقيمها اليسار اللبناني مع مليشيا دينية , فقط لأن ذلك الحزب يلوح بشعارات المقاومة , ويصيح فوق منابره (الموت لأمريكا) وقد نتفهم هذه البرجماتية إذا كانت الاختلافات هي سطحية تتعلق بالتفاصيل وليس عقدية عميقة فحزب الله الثيوقراطي تحديدا هو ضد كل ماهو يسار,ومفرغ من كل ماهو تنويري أو مناشد للحرية والتغيير لصالح فكر عقدي أحادي المنظور , يتعامل مع العالم حوله بشهية الغزو والاستحواذ , وليس بأرضية التعايش والتسامح، وتكمن تحت عمائمه كل ظلاميات العصور الرجعية.

في النهاية ما الأمر الذي يدعوني لدسّ قلمي في الشأن اللبناني؟ هل لان داخل كل بيت عربي هناك شتلة نعناع لبنانية، وكتاب لبناني وأغنية لبنانية ونافذة ضوء لبنانية؟ لبنان الصغير كان المفتاح الذي منه انسربت أنوار النهضة وصفحات التأليف والمطبعة والشعر إلى ظلمة كان يكابدها العالم العربي مع الاحتلال التركي للعالم العربي

عزيزي اليسار اللبناني القضية ليست مشروع أمريكي أو آخر فارسي في المنطقة، بقدر ما هي شعوب مستضعفة متخلفة تبحث عن كرامتها وآمالها الدائمة للحاق بركب الحضارة العالمي.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق