صورة الشيطان في الفن الإسلاميّ
د.شاكر لعيبي

تنقيبات في تأريخ الفن

الفن الإسلاميّ مصطلح ملتبس عند جمهور عريض، وهو عرضة للالتباس والمقولات الجاهزة حتى في الأوساط الأكاديمية التشكيلية العربية، وبالأخص عندما يتعلق الأمر بـ (التشخيصي) فيه. هذا الفن تناول بالتصوير مختلف مناحي الحياة الاجتماعية القديمة، ومن أشهر أمثلته المدرسة الرافدينية المشهورة المتّسمة بمسحة (واقعية)، قدر ما كان يسعفها وعي لحظتها التاريخية. لكنه تناول كذلك، عرضاً، في مُصنّفات الجغرافيا والبلدان والرحلات والفلك، معتقدات الناس الشعبية وإيمانهم بالعوالم الغرائبية والشخوص الخرافيين والحيوانات العجيبة.

فلنتحدث هنا مثلاً عن صورة الشيطان كما قُدمت في الفن الإسلامي المتأخر نسبياً. أعني إحدى الصورة المرسومة له في (كتاب البلهان) الذي جمعه عبد الحسن الأصفهانيّ في القرن الرابع عشر الميلاديّ. الكتاب كان قد أُعِدَّ في مدينة بغداد في نهاية القرن الرابع عشر الميلاديّ، عندما كانت تحت حكم السلطان أحمد الجلائري (من قبيلة مغولية حكمت العراق وما حوله قرابة قرن من الزمن)، ويزعم الجامع، الاصفهاني أن مواد الكتاب هي للفلكيّ و الرياضيّ الشهير أبو معشر جعفر البلخيّ، أما الرسومات والتعليقات فهي من عمل الأصفهاني نفسه، والعمل محفوظ في جامعة أكسفورد (bodleian Libraries, University of Oxford). الصورة المرسومة تُقدِّم إبليس سيد الشياطين، جالساً، بشعر أشعث، وقرنين معقوفين، وببطن مُشدّد عليها، وبحركات يدين متقاطعتين جانب صدره تستحق وحدها تفسيراً.

 

يظهر الشيطان هنا بقرنين، فهل هو موصوف بقرنين في الثقافة الإسلامية؟ أعني في النص المكتوب، كلا. لنستشهد بأمثلة وصفية له في النصّ الأدبيّ. قال ابن العباس: “ففتح له الباب فدخل علينا بصورته الحقيرة التي أمره الله أن يظهر بها، وهي شيخ أعور كسيح في لحيته سبع شعرات كشعر الفرس وعيناه مشقوقتان بالطول ورأسه كرأس الفيل الكبير وأنيابه خارجة كأنياب الخنزير وشفتاه كشفتي الثور” […]..

وعن الغزالي: “فمسخه الله من الصورة البهية، فنكسه كالخنزير وجعل رأسه كالبعير، وصدره كسنام الجمل الكبير ووجهه كوجه القردة وعينيه مشقوقتين في طول وجهه ومنخريه مفتوحتين ككوز الحجام وشفتيه كشفتي الثور وأنيابه كأنياب الخنزير وفي لحيته سبع شعرات وطرده من الجنة، بل من السماء بل من الأرض إلى الجزر فلا يدخل الأرض إلا خفية ولعنه إلى يوم الدين”، و ذكر ابن القيم في (الصواعق المحرقة) كلاماً يفيد أن إبليس كان جميلاً لما كان مع الملائكة مشتغلاً بالطاعات، فلما عصى، جعل الله قُبْحَ صورته مثلاً يضرب لكل قبيح، كما قال الله: “طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ” {الصافات:65]. وهنا ذكر لرأس مريب. وفي مختلف التفاسير يظهر الشيطان بهيئة حيوانات مختلفة بل بصور بشرية. لكن لا شيء يشابه الصورة التي يرسمه بها رسّام مخطوطتنا.

فمن أين جاء هذا القرنان في مخطوطة البلهان؟

نحن هنا نقدّم فرضية، ونعتقد أن الصورة مستوحاة من الثقافة البصرية الأوربية، عبر الثقافة المسيحية العربية. عندما دخل الأوربيون في الديانة المسيحية، خاصة في القرنين الثاني والثالث الميلاديين، ظلت معتقدات الناس في الريف، مشوبة بشوائب العبادة الوثنية، بما في ذلك عبادة الرب بان Pan الذي كان عند اليونان إله الرعاة والخصوبة. ومن سماته الرئيسية وجود أقدام الماعز والقرنين. من أجل القضاء على الوثنية، نسب الإنجيليون المسيحيون فكرة الشرّ للربّ بان هذا.

إذنْ، فقد وسمت الأساطير اليونانية تمثيل الشيطان في مسيحية القرون الوسطى، كذلك من خلال هريميس وخاصة خلال ابنه بان الذي نقل في الواقع إلى الشيطان خمس من صفاته الأكثر تميزاً: الحوافر والقرنين والعثنون [اللحية] وشعر الساقين والرائحة الكريهة. وفي المراجع أن “الأيقونات المسيحية كانت في العصور الوسطى، تمثل الشيطان باعتباره تجسيماً anthropomorphe  مخيفاً، كثيف الشعر، مزوّداً بقرنين، ومخالب وخصائص ماعز، وهي تمثيلات تأتي شعبياً من الرب الرومانيّ بان Pan أو الرب ساتيرسsatyrs . لم تصبح هذا الأيقونية الشيطانية شائعة بالفعل إلا مع الكنائس الرومانية حيث تمنحنا التماثيل والزجاج الملوّن جسداً للشيطان الموصوف في (تاريخ الراهب راؤول كلابيرRaoul Glaber ) وهو أول من وصف، في بداية القرن الحادي عشر الميلادي، الشيطان الذي رآه في أحلامه: قصير القامة، جِلْد مجعّد، وجه مشوّه، جمجمة ممتدة مع خطم كلب، وأذنين هلبيتين، عثنون، ومخالب وشعر قذر ومتصلب، أسنان كلب وحدبة في الظهر…”.

لذا فلعل الرسم الحالي، العراقي – الجلائريّ الذي يرقى للقرن 14 الميلادي قد استلهم الصورة مما كان قد وَصَل إلى العالم العربي، ربما عبر الكنائس الشرقية، من اليونان.

فترة الجلائريبن (أو الإلخانات) من سلالة مغولية حكمت العراق وغرب إيران وأذربيجان، سنوات 1336-1432م وهي سنوات أُنْجِزَ مخطوط البلهان في أوائلها، تسمح بفرضية الانتقال هذه، فالمغول عموماً كانوا يتذبذبون عقائدياً بين المسيحية والإسلام، وقد شهدت تلك الفترة إضافة لذلك جميع أشكال الاختلاط العقائدي وظهور تديُّن فلنسمه شعبياً، يستلهم من هذه الديانة وتلك على حدّ سواء. وهذا قد يفسّر ظهور جميع أنواع التمثيلات البصرية والمواضيع غير المألوفة في الفن الإسلاميّ، من حينها.

في منمنمة  أخرى من المخطوطة يظهر (الملك الأسود) بقرنين. وهذا الملك يمكن مقاربته كذلك بتمثالٍ للرب بان، من القرن الأول قبل الميلاد، محفوظ في المتحف الأركيولوجي الوطنيّ في نابولي Musée archéologique national de Naples

يؤخذ بنظر الاعتبار، بداهةً، الفارق الزمنيّ في إنجاز العملين، واهتمام الثقافة الأوربية الكبير بالدقة التمثيلية مقارنة بالثقافة الإسلامية (التخطيطية) و(الإجمالية) في مقام التمثيل البصريّ.

هذا التديُّن الشعبيّ مُختلَط الديانات قد يفسّر أيضاً وفي المقام الأول ظهور إشارات أصابع الشيطان في منمنمتنا الحالية، وهي تقدّم بالأحرى، وبشكل واضح، إشارات الثالوث المقدّس في المسيحية:

كيف جرى ذلك؟ وعلى أساس أي عُرفٍ تظهر شارة الثالوث في حركات أصابع الشيطان في منمنمة (البلهان)؟

أمر محيّر قليلاً، أو هو تفسير محليّ للاهوت المسيحيّ يفوتنا اليوم تأويله، سوى أن يكون هذا التفسير قائم على معرفة عابرة بأن الشيطان وجنوده في المعتقد المسيحيّ هم ملائكة ساقطون، يرغبون بخداع وتدمير من يتبع الله ويعبده. ولعل في تمثيل منمنمتنا إشارة إلى أحد أنواع هذا الخداع. ولكن ما نقول هنا هو محض افتراض.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق