عبدالله سفر يحاوره طامي السميري

سفر: الظل الذي كان فيه التسعينيّون امتدّ معهم ونعموا فيه بنعمة الهامش

شعراء جيل التسعينيات على مختلف أطيافهم الشعرية جيلٌ إبداعيٌ مهمٌ في تاريخ المشهد السعودي الثقافي، ولكن قدر هذا الجيل التوقيت السيء، فقد جاء بعد أن تم استنزاف المشهد بعد معركة الحداثة في الثمانينات وأيضا في الالفية الاولى كان الفتح الكبير بدخول الانترنت الذي أحدث انقلابا في الساحة الثقافية سواء بوجود منصات جديدة للنشر أو بظهور أسماء شعرية جديدة تمثل تلك المرحلة. وأيضا قدر هذا الجيل أنه أقل حظا في الجماهيرية وفي الاهتمام النقدي وأيضا الأكثر غيابا عن المشهد. وفي هذا الحوار نرصد رؤية الشاعر والناقد عبد الله السفر والذي يعد من أهم أسماء تلك المرحلة عن التجربة التسعينية:

  • إذا كان شعراء الثمانينات أرهقهم الجدل الذي كان خارج النص الشعري مما ساهم في انطفاء شعرهم. فما الذي أطفأ وهج شعراء التسعينات؟

– لا أعرف معنى كلمة الـ “وهج” هنا فيما يخص التجربة التسعينية. هل يُقصَد بها الحضور في سدّة الضوء الإعلامي والنقدي كما هو الحال مع التجربة الثمانينية؟.. أم يُقصَد بها الحضور الإبداعي وتطوير التجربة الشعرية المتمثّلة في مشروع المبدع عبر إصداراته الشعرية أو عبر إنتاجه المتوالي المقروءة نصوصه في عالم النت؟.. وابتداءً لا بدّ من التوضيح أن التسعينيين لم يكونوا يوماً في الضوء أو حتى في طرفٍ من وهجه. ففد كانت تجربةً في الظل بامتياز، إنْ في المرحلة الثمانينية التي شهدت بدايتهم وتفتّح كتاباتهم أو في التسعينيّات نفسها التي شهدت انكسار الساحة الثقافية بشكلها السابق بسبب مفاعيل حرب الخليج الأولى وما جرّتْه من سياقاتٍ جديدة خفتَ معها الصوت الشعري الثمانيني وتراجع اهتمام النقاد بالشعر وترحّل -هذا الاهتمام -إلى ضفافٍ أخرى وذلك من قبل أسماء وازنة ومؤثرة وأساسية في المشهد الثقافي والنقدي لتلك المرحلة. والظل الذي كان فيه التسعينيّون امتدّ معهم ونعموا فيه بنعمة الهامش. فقد كان المشهد وقتذاك يزخر بانفجار الرواية السعودية التي التهمَتْ الضوء كله وتصدّرت المشهد؛ صوتاً وصورة؛ واستعادةً للجدل المستعر من قبل لكن في نطاق أقل يتحدّد بـ “التابوهات” التي اخترقتْها الرواية وحرّكَتْ الوجه الاجتماعي الساكن خلف العادات والتقاليد والمثالية. وما أعنيه كخلاصةٍ أن التسعينيين ليست لهم صلة بـ “الوهج” كحالة إعلامية ومثار جدلٍ يعزّز من حضور الأسماء كعناوين حتى لمن لم يقرأ كتاباتهم (كشعراء ثمانيين أو كروائيين في زمن التسعينيات).

وعلى هذا سأفترض بـ “الوهج” أنه يعني الحضورَ الإبداعي وتطوير التجربة الشعرية على مدار العقدين الأخيرين أو ما يقاربهما، وأحسب أن هذا المقياس لصالح التجربة التسعينية؛ كمًّا ونوعًا. والسيرة الإبداعية وتجليات إنتاجها الشعريّ خير دليلٍ. ويكفي أن نطالع بضعة أسماء من هذا الجيل وصنيعهم الجمالي حتى يتأكّد لنا نوعيّة حضورهم وفاعليِته (أحمد الملا، إبراهيم الحسين، علي العمري، حمد الفقيه، محمد الحرز،….). وما هو أجمل من هذا كلّه أن هذه التجربة لم تسوّر نفسها في نتاج جيلٍ ثابت وبحساسية شعرية ثابتة غير قابلة للتحوّل. إنّ المراقب للساحة المحلية يعرف كيف اندمجت هذه التجربة مع التجربة الألفية وما بعدها كأنما يشكّلون تيارًا واحداً ولكن بطبقاتٍ غنيّة من التنوّع ومن التجاور المخصّب. نجد في هذا التيار مَن أعمارهم تقارب الستين ومن هم في أوّل العشرين لكن تجمعهم تجربة القصيدة الجديدة؛ الحرّة المصنوعة بطرقٍ مختلفة تأتينا عبر الفيسبوك أو التويتر.

  • هل كانت التجربة الشعرية في التسعينات تمثل امتداداً لتجربة الثمانينات بشكل ما أم كانت تجربة منقطعة ومختلفة؟

– ليس هناك من تجربةٍ تنبت في الفراغ ومن الفراغ. وهذا ما ينطبق على التجربة التسعينية، وحوض التلقي الأول بالنسبة لها لم يكن سوى الملاحق الثقافية الثمانينية بما يُنشر فيها من شعرٍ وسردٍ ونقدٍ ومن دراساتٍ فكرية. وقتذاك كانت شفرة التلقي حادّة وتجذب، وما أظن أن تجربةً مثل تجربة محمد الثبيتي وعبدالله الصيخان وعلي الدميني ومحمد جبر ومحمد عبيد وفوزية أبو خالد وخديجة العمري وحسن السبع وتجربة المتجاوز للأجيال أستاذنا محمد العلي وآخرين؛ يمكن أن تمرّ بلا أثرٍ في الذائقة وكتابةِ التحوّل نحو نصٍّ شعريٍّ مختلف. وهذا الأمر هو ما جعل التجربة التسعينية تسعى إلى تطوير مرجعياتها وتوسيعها وتنويعها، حيث لم تتوقف عند جيلٍ معين. هي استفادت ثم بنَتْ اختلافها عبر حساسيةٍ أخرى استمدتها من مروحة إبداعية واسعة. لم تقف عند الكِتاب وحسب (كتّاب قصيدة النثر البارزين في أدبنا العربي، والكتاب المترجم القادم من الدار البيضاء وبيروت ودمشق) بل استضافت أو ذهبت إلى جهاتٍ جمالية أخرى تنبض بها الأفلام الإبداعية والأشرطة الموسيقية واللوحات الفنية؛ بما شكّل تجربة جديدة مختلفة عن تلك المكتوبة لدى جيل التجربة الثمانينية. وبكل الأحوال؛ الاختلاف والإضافة هو ما يشكّل جوهر الانتقال والانقطاع ويؤسّس لسماتِ جيلٍ جديد.

  • هل كانت قصيدة النثر والتي تعتبر تجربة شعرية وليدة في ذلك الوقت سببا في إغواء الشعراء بالانحياز لتجربيها ومن ثم لم تجد الحفاوة النقدية أو حتى الجماهيرية؟

– قصيدة النثر ليست وليدة مرحلة التسعينيات. إنما تعود إلى أربعة عقودٍ قبل هذه المرحلة أو أكثر، ومحليًّا كُتبت هذه القصيدة في الخمسينيات والستينيات عبر محمد الرميح وناصر بوحيمد، وفي السبعينيات كانت التجربة الرائدة؛ تاريخيا وفنيا لـ فوزية أبو خالد بإصدارها المبكّر “إلى متى يختطفونك ليلة العرس” وفي نهاية الثمانينيات (1988) قرأنا لـ محمد عبيد “الجوزاء”. غير أن هذه التأثيرات والجزر المنفصلة لم تتشكّل تيّاراً إلا مع التسعينيات، ومثّلت قصيدة النثر بحضورها الطاغي وكأنها الخيار الإبداعي الأول لكتابة الشعر (هذا لا يعطي حكم قيمة للقصيدة بقدر ما يسجّل ظاهرة. فالحكم الفني هو على جمالية تلك القصيدة لا على الشكل الذي انكتبت فيه).. وينبغي لي هنا التأكيد أن “الحفاوة النقدية والجماهيرية” التي لم تحظ بها قصيدة النثر التسعينية محليا. فهذا الحكم تنسحب صحّته على كمّْ هائل من شعراء قصيدة النثر، وباستثناء الجيل الأول من قصيدة النثر (أنسي الحاج، الماغوط.. مثلاً) فإن الجيل الثاني وما تلاه من أجيال قصيدة النثر لم يتيسّر لها الدرس النقدي والعكوف على تجربتها عكوفاً متأنيّاً. هناك أسماء عالية القيمة الإبداعية والمتجاوزة في عالمنا العربي، يمرّ بها النقد مروراً هيّناً ولا تكاد تسمع به. قامات شعرية شامخة مثل: (عباس بيضون، سركون بولص، بسام حجار، صلاح فائق، …). وما ينطبق على الساحة العربية، ينطبق تماماً على الساحة المحلية، وإن كانت هناك جهود من هنا وهناك إلا أنها قليلة ولا تقاس بالزخم النقدي الثمانيني الهادر. هذا من جهة النقد. أما من جهة “الجماهيرية” فهذا غير متوقّع لقصيدة النثر وغير مطلوب أن تمثُل فيه. فهي ليسَت قصيدة منبرية إيقاعية ويسهل التواصل معها جماهيريا. وربما هنا أتفهّم دعوة الشاعر والناقد بول شاوول لشعراء قصيدة النثر بالإعراض عن صعود منصّات الأمسيات الشعرية لأن هذه أمكنة غير مناسبة لها ولا تتفّق مع أفقها الكتابي البعيد عن الشفاهية التي يحتاجها الجمهور وتطرب لها أذنه.

  • في تجربة الثمانينات كان الناقد شريك حقيقي لشعراء تلك المرحلة بل ولعبوا دوراً مهما في تسويق تلك التجربة إعلاميا ونقديا. في المقابل هل كانت تجربة التسعينيات بلا نقاد؟

– رغم الدور الكبير الذي قدّمه النقاد إلى جيل الثمانينيات في السعودية إلا أن هناك من قال “نحن جيل بلا نقّاد”، بمعنى أن هذه المقولة كادت تصدر عن كلّ جيل جديد، وتوشك أن تلقَى صدى لها مع كل بذرة جيلية منذ ستينيات القرن الماضي مع انطلاق الحساسية الجديدة في الكتابة المصرية، إن في الشعر أو السرد، وحتى الآن. ولا أستطيع أن أعمّم فأصادق تماماً على أن “تجربة التسعينيات الشعرية في السعودية بلا نقاد”. المقارنة تصلح فقط في مدى الاهتمام والمواكبة والاحتشاد والزخم. لم تعد تلك الدرجة المحسوسة في الملحقات الثقافية (أو ما بقي منها فاعلا وذا أثر) والمجلات والدوريّات أو فيما يصدر من كتب تهتم بالشعر. نعم، ثمة انحسار نقدي. ولهذا نعمتُهُ كما قلت في جوابٍ سابق وفي مناسباتٍ وأمكنةٍ أخرى، غير أن الذاكرة ينبغي أن تحتفظ وأن تشير إلى أسماء ظلَّت تقدّم المتابعة والاهتمام، وإن بتفاوت من اسمٍ إلى آخر (د. سعد البازعي، محمد الحرز، محمد العباس، د. ميساء الخواجا، د. فاطمة الوهيبي، كاظم الخليفة، د. محمد حبيبي، …). وقد أشرتُ مرّة أو بالتحديد اقترحت أن تفرز كل مرحلة جديدة نقّادها من داخلها، وكم أسعدني أن أقرأ، وإن على تباعد، كتابات الصديق الشاعر “محمد خضر” عن بعض التجارب والأعمال الشعرية الجديدة.

  • الهم الأيديولوجي ربما كان السمة الأبرز للشعر المكتوب في الثمانينات. قصيدة التسعينات هل تخلصت من هذا الهم؟ وهل كان هناك هم مشترك في قصائد يمثل عنوان رئيسي لتلك التجربة؟

– أحسب أن الدور الرسالي وأداء الأدوار المتعددة للقصيدة، إنْ في الجانب السياسي أو الاجتماعي، من الشواغل الرئيسة ليس في قصيدة الثمانينيات وحدها، بل في قصيدة الأجيال التي سبقَت وفي أشكال القصيدة كلها ومن ضمنها قصيدة النثر رغم النافذة الصغيرة التي كانت تشغلها في مدوّنة الشعر العربي، ومحليّأ نذكر العملين الشعريين للرائدة الكبيرة فوزية أبو خالد: (“إلى متى يختطفونك في ليلة العرس”.. “قراءة في السر لتاريخ الصمت العربي”) والعمل الأول لمحمد عبيد؛ الغائب الحاضر والعلَامة في تاريخ قصيدة النثر المحلية: “الجوزاء”. تلك الأدوار تخفّفَتْ منها، ولا أقول تخلّصت منها تماماً، القصيدة الجديدة المكتوبة في أفق التسعينيات وما تلاه. حدثَ تحوّل نحو الذات وحركتها وانشغالها بما هو داخلها وبما يمسّها “شخصيّا” من الخارج، حيث يظهر الاشتباك بالهامش والعارض والعابر وما هو تفصيلي لا يكاد يُؤبه له.. حدثَ الانزياح عن العام وعن العنوان الشامل واتّصل هذه الانزياح بمستوى التعامل مع اللغة إذْ هيمن الاتجاه التوصيلي الوظيفي عند أغلب التجارب على الاتجاه الفني وجماليّات اللغة. وربما هذا يفسّر ـ بشكلٍ ما وجزئي ـ عند بعض التجارب الالتجاءَ إلى السرد وإلى كتابة الكتلة وغيرها من أساليب. وعوْداَ إلى مسألة الهمّ السياسي والاجتماعي والظروف التي يمرّ بها العالم العربي من حروب ومن تبدّلاتٍ داخلية؛ نجد أن بعض الأسماء ما يزال لديها حيّزٌ في تجربتها. مثلاً هذه الدواوين: “أبناء الأرامل” لعلي العمري؛ “فمٌ يتشرّد في جهات الجمر” لإبراهيم الحسين”؛ “علامة فارقة” لأحمد الملا.. وبعض قصائد حمد الفقيه وزكي الصدير وغيرهم. في هذه الأعمال والقصائد يطالع القارئ أوضاعاً محليّة وانشغالا بالحرب على غزة “2014” وبشهداء الربيع العربي وبنقد السلطة الديكتاورية وتغوّلها، لكن يظلّ هذه التوجّه محدودا وصغيرا.. وجانبا يؤكّد ـ على الأقل ـ أنّ العام والمشترك يظلّ حاضرا وإن خفَتَ ذلك الحضور وانحسرت مساحة تأثيره.

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق