ثيمة النافذة والشرفة في الفنون والآداب

 

تسيّج الجدران البيوت والأمكنة، في حين تحطّم النوافذ أسوارنا وعزلتنا. فلكي تكون هناك نافذة، لا بد من وجود شيء آخر في المواجهة، شيء تطل عليه، عالم خارجي وآخر داخلي تتوسطهما نافذة. وهو الشرط الأدنى لأي نافذة. أما حين تتسع النافذة أكثر فإنها تحيل على: العلو، والانفتاح، والفرجة، والاكتشاف، والصدف، والترقب، واللامتوقع، والوداع، والانتحار، كما تشهر نفسها فناً جميلاً من فنون العمارة.

إنها لحظةٌ فاتنةٌ حين نفتح النوافذ رغم تكرارها! آنذاك يحصل تداخلٌ وتباعد بين فضائين: ننسحب من الداخل دون أن نوجد تماماً في الخارج، وإنما لنشارك في تحطيم الفواصل بينهما. ننظر إلى مكان مغاير، وأشخاص عابرين، ومشاهد مرتجلة، بالإضافة إلى النور النافذ والهواء المتجدد. لذا نقع تحت سحر النوافذ ويتخللنا هواها.
ومنذ ذلك الحين الغابر الذي شيّد فيه إنسان ما ملاذاً له .. لم يخلُ بناء من نافذة.. بينما لا ينفك الإنسان المعاصر من فتح نوافذ كثيرة: نوافذ المباني، ونوافذ السيارات، ونوافذ إلكترونية تحوّله إلى كائنٍ افتراضي مشارك في الأحداث، ونوافذ الشاشات الذكية.. بعضها لا تخضع لإرادته بل تنفتح بالإكراه كنوافذ الإعلانات.. وأخرى تحترم رغبته فلا تنفتح إلا بالضغط على عبارة زرقاء.. ونوافذ للتنبيه، تذكّره بمواعيد وأعمال غير منجزة، وتستمر في الإلحاح المزعج.. ولكي يتنفس الصعداء بات يقلّل من النوافذ أمامه!

ثمة مراوغة في هذا التعدد! فالنافذة من نوع مختلف، والحرية الممنوحة للمشاهد ناقصة، وطريقة التعبير تعتمد وسائط كثيرة، ومجاز الحضور والغياب يخلخل العلاقات. وكل هذا يتوسّل بالنافذة لتحقيق غاياته.. فيمثّل تعددها وتباينها وانفتاحها استمراراً وتحولاً للنافذة لا قطيعة معها. لقد أضفت أجناس النوافذ الجديدة دهشةً وغنًى.. فلنفتح النافذة داخلين دهشتها الدائمة.

نورة الخالدي

 

نافذة ..على ماذا؟

 

فتحت في الجدار نافذة

لا كي أرى ما قد ترى

عيني من الشرفة

بل كي أرى الغرفة

 قصيدة قصيرة جاءت ضمن مطولة الشاعر اللبناني جوزيف حرب “الخضر والرماد” وتوقفت أمامها طويلاً، وكان ما استوقفني وتبينته بعد تأمل هو أن النص يسمح بقرائتين متضادتين ومهمتين في الوقت نفسه. فهو أولاً نص رومانسي بامتياز من حيث هو يمنح الذات، الكيان الداخلي للإنسان، المكانة العلية إذ يرفعها لتعتلي صهوة العالم، جاعلاً إياها بؤرته ومحل ارتكازه. ففي إطار النافذة يتوارى العالم الخارجي تدريجياً، يصير ثانوياً، ليس ما تنفرج عنه الشرفة أو النافذة وتفضي إليه العين الرائية، وإنما ما يتراءى هناك في خلفية الصورة فضاءً مبهماً، “ما قد ترى عيني من الشرفة”، “ما” غير العاقلة تختصر ذلك العالم الهائل لكي تتصدر الغرفة، الغرفة/الذات، وتصير هدف البصر الصاعد باتجاه البصيرة. ثم هذه الـ “قد” التي تبقي الاحتمال قائماً ألاّ يكون هناك شيء يرى أصلاً، أو شيء يستحق أن يرى إن كان.

 لكن هذه القراءة التي تبرز رومانسية الصورة تقابلها قراءة أخرى ترى العكس تقريباً، بل العكس تماماً. الذات التي تحتل واجهة الرؤية، الذات/ الهدف، التي من أجلها تفتح النافذة، هي ذات لا تستطيع أن تسفر عن نفسها، أو لا تبرز للعيان، دون ضوء قادم من العالم، من ذلك الفضاء الهلامي المختصر بالما غير العاقلة وبالقد، “قد” الاحتمال والإهمال. قد تكون ذاتاً تحتل واجهة المشهد وتمنح الأهمية الكبرى لكنها ذات تتكئ على العالم ولا مكان لها بدونه، هشة ومظلمة بلا نافذة تضيئها وتذكر بمكانها.

 فإلى أي القراءتين نميل؟

         إليهما معاً، سأقول. ففي القراءتين يكمن وجها النافذة ووجها الذات. لا نافذة بلا جهتين ولا ذات بلا عالمين، عالمها وعالم الآخرين، لا ذات بلا آخر، ولا آخر بلا ذات ترى الآخر وتدرك وجوده ووجودها معه. القراءتان هما جهتا النافذة نفسها، والقارئ والشاعر صنوان أو هما في النهاية شخص واحد، يواجهان الحقيقة المتعددة الوجوه، فلا قصيدة بقراءة واحدة مثلما أن لا نافذة بجهة واحدة، ومثلما أن لا ذات بلا عالم ترى من خلاله نفسها. لكننا لا نستطيع أن نقول الشيء نفسه عن العالم، لا نستطيع أن نقول إن لا عالم بلا ذات تراه: فالعالم موجود حتى إن غابت الذات.

         لكن ما الذي أود قوله؟ قد يسأل القارئ. وأقول إن ما استوقفني في الصورة لدى حرب بدءاً هو تلك الاحتمالية الشعرية المحرضة على التأمل، تلك الإيحاءات المستفزة التي تنتظرنا عند مفارق الشعر، الظنون الملتبسة التي تخاتلنا والضوء الذي يبهرنا عند نوافذ القصائد حتى تغدو الحيرة جميلة والتيه أجمل. ذاك بعض ما استوقفني وأردت بدوري أن أستوقف القارئ معي عنده.

         لكن ثمة أمراً آخر تثيره القراءة الثانية بشكل خاص، أقصد حاجة الذات إلى العالم، حاجتها إلى نافذة تخترق الجدار وتلغي العزلة لكي ترى نفسها. ذاك معنى صادم في زمن علت فيه أصوات تنادي بإغلاق النوافذ خوفاً من الضوء وخشية على الذات. إذ كيف يمكن للإنسان أن يعرف نفسه دون أن يرى الغير ويتعرف عليهم ويقترب منهم بل ويأنس لهم. وهو إذا كان غير مطالب بأن يقبل أفكارهم أو معتقداتهم فإن معرفة تلك الأفكار والمعتقدات أمر حتمي لمعرفة الأفكار والمعتقدات المقابلة أو حتى النقيضة لها.

         وحري بالأمر أن يكتسب أهمية أكبر إن نحن تذكرنا أن الذات أحوج إلى العالم من حاجة العالم إلى الذات، وهي هنا الذات المفردة. فالذات أو الفرد الذي يرى أنه الأهم في العالم أو أن لا عالم بدونه أشبه بتلك الفراشة التي يتحدث عنها عمر أبو ريشة، الفراشة التي تقول وهي تحتضر “ما أقصر عمر هذا العالم”. ولعل عالمنا اليوم مليء بهذا النوع من البشر المسكون بأنه الأهم والأعظم وأن لا عالم بدونه، أن النوافذ إن فتحت فإنما تفتح لتكشف للعالم عن تميزه وقدراته غير العادية. كما أن عالمنا مليء إلى جانب أولئك بمن لا يعرفون العالم من حولهم فيظنون أنهم سادة الحقيقة، الحقيقة الساكنة التي لا يصيبها شك من قريب أو بعيد، وأذكر في هذا السياق عبارة للناقد اللبناني الراحل مارون عبود يقول فيها: “إن المفكرين الحقيقيين قليل في هذا الورى، والمشككين الحقيقيين أقل منهم. أما المطمئنون إلى كل شيء فملء الأرض، أكثر من الذباب والبرغش حول المستنقعات”. إلى أن يقول: “وأفتك أوبئة الإنسانية، ذلك الاطمئنان الداخلي، مرض الدهماء الذين يعومون في زبد أنفسهم، ولا يغوصون في لجتها، تلهيهم ثرثرة الساقية عن صمت النهر الهادئ، حيث الحيتان الضخمة التي تبتلع حوت يونان”، ليتضح بعد ذلك أن الذين يعومون في زبد أنفسهم ليسوا سوى عبّاد القديم في كل شيء، ممن لا يرتضون خروجاً على تقاليد أو فهم سائد. أولئك هم الذين لا يفتحون النوافذ أصلاً لأنهم على ثقة أنهم يعرفون ما في الداخل وما في الخارج معاً وبثقة مطلقة.

د. سعد البازعي

 

مجلة “نوافذ” التي تصدر عن النادي الأدبي الثقافي بجدة

 

 

النافذة فلسفيا

أن تقيم علاقة ودية مع أي شخص؛ أن تحتفظ بقلبك منزلاً مفتوحاً للجميع، هو دون شك نوع من التحرر: لكنه ليس أكثر من ذلك. يمكن للإنسان أن يتعرف على أصحاب القلوب القادرة على الاستضافة النبيلة بالنظر إلى ثراء شبابيكهم المغلقة: يحتفظون بأفضل الغرف فارغة. لأي شيء يا ترى؟ لأنهم يتوقعون ضيوفاً لهم قيمة.

                                                                                                            نيتشه – مغرب الأصنام

 

الفلاسفة نوافذ في العموم، إنهم يعملون عمل النافذة في الجدار، أو هكذا يظنون عملهم على الأقل! الرواقيون المطلون من شرفاتهم، المتصوفون في خلواتهم، الأشعريون في مربع أئمتهم، المتكلمة. نوافذ إخوان الصفا وخلان الوفا.. قالت العرب: “من قال فقد استشرف” أي؛ خرج على شرفة للناس، فعليه أن يتحمل تبعات قوله. الكلام شرفة إذن! والفكر نافذة لا نعرف إلام تفضى وعلى ماذا تطّل.

من ينسى شباك “إيمانويل كانت” الذي كان يكتب بجانبه، إذ كان معتاداً على الكتابة في مكانٍ محددٍ في بيته عند نافذةٍ مطلةٍ على قبّةٍ ضخمة. وكان حين يكتب وعيناه على الورق يريح نظره بالنظر إلى تلك القبة بين الحين والحين، وحينما طالت أشجار جاره وحجبت القبة عنه، بدأ “كانت” يفقد قدرته على الكتابة والتركيز، ودون أن يشكو إلى جاره المعجب بشخصيته، قام هذا الجار بتقليم تلك الأشجار بكل أريحية ليعود الفيلسوف إلى روتينه وعادته. كانت الذي كان يرفض السفر وعاش عمره ولم ير بحر البلطيق الذي يبعد سفر ساعةٍ عن مدينته. كان نافذة نفسه الأولى والأخيرة.

كتب محمد سعيد عز الدين أن “علي شريعتي في منفاه كتب آخر سطوره، بعدما فتح نافذة بيته ليطل على ذلك العالم الحافل بالصراعات المتطاحن بالتناقضات الذي بدا وكأنه أشبه بكواليس تهيء لحدث جلل لم يسطر القدر لصاحبنا أن يراه!كانت إطلالة الختام باسمة بمثابة فاتحة رتل فيها شريعتي مقولته الرائعة: اللهم علمني كيف أحيا، أما كيف سأموت فإني سأعلمه. هكذا عاش علي شريعتي وهكذا ظل مشروعه حيّاً بعرق ووجدان وفكر صاحبه”.

لقد تعامل الفلاسفة مع النافذة بشكل أكثر شكلانيةً من الفنانين والأدباء، بحيث تم استخدام النافذة غالباً للتأطير على الأغلب، تأطير متوزاي الأضلاع لنظريةٍ ما، أو لحقبةٍ من الحقب، فعلى سبيل المثال تعتمد نظرية “نافذة جوهاري” على الفهم المؤطر ضمن نوافذ، وهو أمرٌ تقني يستخدم  لمساعدة الناس على فهم علاقتهم مع أنفسهم ومع الآخرين بصورة أفضل، تلك النظرية التي وضعها عالما النفس جوزيف لوفت وهارينغتون إنغهام عام 1955. ودمجت لتشمل اسميهما.

تُستخدم نافذة جوهاري بصورة أساسية في إطار الشركات لتأهيل موظفيها وتنميتهم كتدريب حدسي، يعتمد التجريب من خلال التدريب، يحصل الشخص موضع التجربة على مجموعة من الصفات يختار من بينها تلك التي يعتقد أنها تمثل شخصيته، وكذلك يحصل زملاؤه على القائمة نفسها ليدونوا عليها صفات تمثل هذا الشخص المختبر.  وقد أطلق الفيلسوف «تشارلز هاندي» على تلك النظرية اسم «منزل جوهارى ذو الغرف الأربعة».

  • الغرفة الأولى: هي الجزء من النفس الذي نعرفه ويعرفه الآخرون.
  • الغرفة الثانية: تضم الصفات التي يراها الآخرون ولا ندركها نحن.
  • الغرفة الثالثة: هي مساحتنا الشخصية أي ما نعرفه عن أنفسنا، ولكننا نخفيه عن الآخرين.
  • الغرفة الرابعة: هي الجزء الباطني من النفس، وهي أكثر الأجزاء غموضًا حيث لا يراها أحد سواء نحن أم الآخرين.

وفي علم الجريمة تبرز نظرية النوافذ المحطمة وهي نظرية وضعت لإرساء القواعد والإشارة إلى تأثير الفوضى والتخريب على المناطق الحضرية المتمثلة بالجرائم، وتمييز السلوكيات المعادية للمجتمع ومراقبتها.

نظرية النوافذ المحطمة هي نتاج فكر المفكرين جيمس ويلسون وجورج كيلنج. وهي نظرية بسيطة للغاية، ويمكن إيجازها بقولنا: أن الكبائر تبدأ بالصغائر، أو أن عظيم النار من مستصغَر الشرر، أو صغائر الأمور بدايات عظائمها. إذ يرى المنظّران أن الجريمة هي نتاج الفوضى وعدم الالتزام بالنظام في المجتمعات البشرية. إذا حطم أحدهم نافذةً زجاجية لا على التعيين في الطريق العام، وتركت هذه النافذة دون تصليح، فسيبدأ المارة في الظن بأنه لا أحد هنا ليهتم بالموضوع، وبالتالي فلا يوجد أحد يتولى زمام الأمور، ومنه فستبدأ نوافذ أخرى تتحطم على ذات المنوال، وستبدأ الفوضى تعمّ البيت المقابل لهذا النافذة، ومنه إلى الشارع، ومنه إلى المجتمع كله.

لا تقتصر النظرية على النوافذ المحطمة، بل تشمل أيضاً السيارات المهجورة، ومراتع القمامة، والأركان المظلمة من الحواري والطرقات. وقد تكون البداية من مشكلات بسيطة نسبياً مثل الفوضى العامة، لكنها في الواقع تمثل دعوات إلى المزيد من الجنحات والجنايات الخطيرة. فكم من شئ بدأ كمشكلة بسيطة ثم تطورت في تعقيدها بعدد من المراحل والدوائر لتصبح نقطة تحول لنوع من الجرائم الخطيرة المنظمة، فيجب أن تردع تلك الأفعال من البداية قبل تفاقمها وتطورها وأخذها منحنيات أخرى.

جوهر النظرية مبني على علم النفس البشري الذي يقول بان الإنسان لديه قدرة وحب الانضباط والالتزام بالقوانين والآداب العامة متى ما توفرت له البيئة المشجعة على ذلك ، وسرعان ماينفك من هذا الالتزام متى ما رأى الانفلات من حوله!

أما فلسفة الفنغ شوي فتعتمد على اعتبار أن الطبيعة ليست ميتة، وهيكل الحياة فيها الممتد من السماء إلى الأرض كالسلسلة روحية يتخللها جميع أشكال و أطراف الحياة بما فيها الجمادات أو ما نعده نحن بالجمادات على عكس هذه الفلسفة، و المسبب الأصلي هنا هو حكم القوة السماوية، حيث تسيطر على الأرض و تجتمع السماء و الارض معا كقوى علينا كبشر و على كل ما هو كائن في هذا الوجود، لهذا اعتنت فلسفة الفنغ شوي بالنوافذ المنزلية على اعتبارها نظام تدفق للطاقة والتأثير، وأوصت أن لا نفتح النوافذ ليلاً فذلك يسهم في ادخال الطاقة السلبية مع هواء الليل، بل ينصح بفتحها في وقت الشروق تحديدا، فذلك وقت ظهور و انتشار الطاقة الإيجابية لمنزلك. إلى جانب تعطير البيت ببخور خشب الصندل. وعدم تخزين الأغراض تحت السرير أو فوق الخزانة، بل يجب ترتبيها داخل أدراج مغلقة. شرب الأعشاب المهدئة مثل البابونج و النعناع و اليانسون ﻗﺑل النوم. عدم الاكثار من المرايا، وفي حال وجودها يفضل أن تكون عند المداخل. لا تجلس في مكان كان مليئا بالأشخاص للتو حتى لا تنتقل إليك الطاقته السلبية من الشخص.

 

النافذة معمارياً

بقلم د. هبة حدّاد

استفاد العرب المسلمون من التقنيات والأنماط التقليدية السائدة في البلاد التي فتحوها لإشادة المباني والمنشآت، وذلك في الفترة الأولى من المدرسة الإسلامية، ثم ما لبثت أن تبلورت مدرسة فنية متكاملة تحمل هوية متجانسة على البلاد الإسلامية قاطبة، وصار من الصعب معرفة الأصول المقتبسة منها فتميزت من غيرها من المدارس الفنية. ومردّ ذلك إلى عوامل مختلفة منها العامل الديني، وهو أهم العوامل، أضفى الصبغة الإسلامية التي هي خلاصة للفكر والعقيدة الإسلامية على الأبنية الدينية والمدنية، كإشادة المساجد والجوامع وفق نظام وتخطيط معينيين يلبّيان الحاجة الوظيفية وتأدية الصلاة. والعامل الآخر هو العامل الجغرافي، وتشابه المناخ النسبي في أقاليم الإسلام حيث غلب عليها المناخ الصحراوي والمتوسطي فتشابه النسيج العمراني في تخطيط المدن، وعُرِف ما يسمى بالنسيج المتراص أو العفوي. وفي المجال المعماري اتصفت العمارة بالتصميم البيئي، وذلك بالتأكيد على انغلاق المباني من الخارج وانفتاحها على الداخل حول باحة مكشوفة  حيث الهواء الطلق والماء والسماء والنباتات.

ولقد تميزت العمارة الإسلامية بغنى مفرداتها المعمارية، واهتمامها بالنواحي الحياتية جميعها، فظهرت المباني الدينية من مساجد ومدارس وتكايا وزوايا وخانقاهات (دور الصوفية)، وأبنية مدنية كالدور والقصور، وأبنية عامة كالبيمارستانات (المشافي) والخانات (محطات استراحة المسافرين)، والحمامات والأسواق. كما ظهر الاهتمام بالحدائق والسبُل المائية على صعيد تخطيط المدن إضافة إلى العمارة العسكرية، وبُنيت القلاع والتحصينات والأربطة وهى عبارة عن قلاع دفاعية تقام على امتداد الشريط الساحلي.

قبة المدرسة النورية الكبري بدمشق.

ولم يقتصر غنى العمارة الإسلامية على تنوع ماهيات الأبنية وموضوعاتها؛ بل تميزت بغنى مفرداتها وعناصرها المعمارية، فمن هذه العناصر القباب domes/cupolas والقبوات والعقود vaults بمختلف أشكالها (أنصاف الدائرية penannulars، والمدببة pointed arches، والحدوية horseshoe arches، والمفصصة multifoil)، والأقواس arches والمآذن minarets والمحاريب niches والأروقة porticos، والعناصر الانتقالية للقباب من مثلثات كروية pendentives ومقرنصات stalactites، والفراغات الداخلية المكشوفة، والعناصر المائية fountains فيها، والسُبل المائية الموزعة في أحياء المدن، والفسقيات (البحرات الداخلية)، والأواوين iwans (غرف جلوس ثلاثية الجدران تطل على الفناء)، وعناصر الزخرفة ornaments المختلفة. وبرز شأن الكتابة  inscription العربية عنصراً زخرفيّاً في مختلف الأبنية ورمزاً من رموز الديانة الإسلامية، وهي لغة القرآن الكريم.

اعتمد الفن الإسلامي على الرمزية symbolism والتجريد وسيلة في التعبير المعماري. فالرقش (الأرابيسك) ornamentation /arabesque مثلاً هو حالة تعبيرية تفسيرية معينة للكون والوجود، حيث استطاع فن الرقش أن يصوّر الإنسان بشكله ومضمونه بما يمثله هذا المخلوق الصغير من عالم كبير ليس له نهاية، وبفلسفة صوفية تلاقت مع مبدأ تحريم التصوير والتشبيه في الإسلام. ولئن عرفت الحضارات المصرية القديمة والكلاسيكية (اليونانية والرومانية) استخدام الزخارف الهندسة والنباتية، فالمدرسة الإسلامية جعلت من هذه الزخارف مدرسة فنية لها أسلوبها وفلسفتها دُعيت بفن الرقش او المعروف بالأرابيسك. والمقرنص في العمارة الإسلامية هو عنصر اعتمد على فن الرقش بأبعاده الفلسفية عدا كونه عنصراً معمارياً للربط البصري بين الانتقال الشاقولي والخط المنحني , وتجلت الرمزية أيضاً في العمارة الإسلامية بتأكيدها أشكال المربع والدائرة والعلاقة الجدلية بينهما، وهو ما يُلاحظ في مساقط الأوابد المعمارية المشهورة في التاريخ الإسلامي فالمربع يمثل العناصر الأربعة المكونة للطبيعة في الفلسفة الصوفية وهي النار والهواء والماء والتراب, وأتت المئذنة لتعبر عن الارتقاء نحو السماء عن طريق الآذان والدعوة إلى أداء فروض الصلاة. ولم تبتعد هذه الرمزية عن تنظيم المدن الإسلامية وتجلت في مخطط مدينة بغداد الدائري حيث المدينة حول المسجد الكبير. وقد يشعر الناظر إلى الصورة الجوية لمدينة غرداية Ghardaia /Taghardait الجزائرية، أنه أمام مشهد توحيدي تتجلى فيه المركزية التي تُشاهد في المدن الإسلامية وتُذَكِّر بمشهد الحجاج إلى بيت الله الحرام.

غرداية الجزائرية

وتبلورت مدرسة العمارة الإسلامية في مجال تخطيط المدن في العصر العباسي وتميزت المباني بتنوع أساليب الزخرفة فيها فاستخدمت الفسيفساء والخشب المحفور وغير ذلك إلى جانب التقطيعات الرخامية والطينية وبلاطات القاشاني، وفي هذه الحلقة نكتب عن العصر الفاطمي الذي تميزت فيه العمارة بالاشكال الصدفية للحنايا والتضليعات في الواجهات واستخدام المقرنصات الزخرفية. ففي العصر الفاطمي الذي بدأ من 359هـ ـ 468هـ (969م ـ 1075م) حيث كانت مصر المحروسة مقرا للخلافة الفاطمية، ويعد الجامع الأزهر أحد اهم المباني الدينية الفاطمية حيث امتزجت فيه تأثيرات العمارة الاغريقية التونسية مع المدرسة المحلية، وكذلك مسجد الحاكم بأمر الله الذي يحمل اسمه، اما جامع الأقمر فتشكل الاشكال الصدفية للحنايا والتضليعات الموجودة في واجهته أول مثال للمقرنصات الزخرفية في مصر ثم أصبحت تزين المآذن لاحقاً. وعلى صعيد العمارة المدنية لم يبق في القصور الفاطمية سوى أوصافها التي تدل على فخامتها، وفي الجزائر بنى العمال الفاطميون القلاع مثل قلعة بني حماد وقصر دار البحر الذي يتميز ببركته الواسعة الشبيهة بالبحر، وقصر المنار وهو أشبه بقلعة تتجلى فيها التأثيرات الرافدية في عمارة القصور. وأهم العناصر المعمارية المميزة لهذا العصر المحاريب والأقواس المسدودة والمشاكي والمقرنصات والخزف والتطعيم بالفخار المطلي بالمينا، ويعد العصر الفاطمي عصر ترسيخ فن الرقش الاسلامي المعروف بالأرابيسك.

استخدام التلوين الطبيعي والدمج – المغرب

وقد استلهم فنانو الغرب فن النوافذ الزجاجية من العمارة الإسلامية، مع استبدال الجص بشرائح من الرصاص تثبت بها قطع الزجاج، وذلك لملائمة الرصاص للجو البارد الذي يسود أوروبا لكن الفنان الأوروبي قام بترتيب قطع الزجاج بحيث تكون رسوماً آدمية وحيوانية ومناظر دينية (أيقونات) مختلفة في ذلك عن الطابع الزخرفي الذي تميّزت به الأعمال الفنية الإسلامية، وتشكل نوافذ الزجاج المعشق بالرصاص ملمحاً أساسيا ومميزاً في الكنائس والكاتدرائيات المنفذة حسب الطراز الفني القوطي والرومانسكي.

تصميم القمرية بالبيوت على المعمار المملوكي

و عند ذكر الشبابيك (القمريات أو الشمسيات) يتبادر الى الذهن فخامة العمارة الاسلامية حيث ترتبط بهذه التقنيه. فالقمريات والشمسيات من العناصر البارزة فى المبانى العربية و الاسلامية والتى وظفها الفنان فى ايجاد علاقة تجمع ما بين القيمة الجمالية والنفعية. ويمكن ذكر بعض وظائف الشبابيك الجصية المعشقة كالتالي:

  • منع دخول الحشرات التى تتسلل من خارج المبنى الى داخله.
  • ترشيد كمية الضوء الداخل الى المكان.
  • تمنع دخول الاتربة ومتغيرات الرياح على مدار العام.
  • تخفيف الأحمال على الأعمدة الحاملة للعقود.
  • لها وظيفة اجتماعية حيث تقوم بتحديد العلاقات الاجتماعية بين افراد الاسرة وبين المجتمع الخارجى بحيث يستوجب احاطة المرأة بإطار من الخصوصية والعزلة عن عالم الرجال أثناء تأدية الصلاة أو أثناء ممارسة نشاط حياتها اليومية.

 

الإضاءة المبينة عن طريق دخول الاشعة من خلال الشمسية – مصر

 

وتعد مصر من أكثر البلاد الاسلامية استخداما لهذه النوعية من فن الزجاج الجصي في المساجد وبعض المنازل والقصور والخنقاوات حيث تميزت هذه الفتحات بتنويعها واختلاف طرق الزخرفة والتلوين طبقا لطبيعة العصر ونوع الزخرفة السائدة فيه وأيضا طبقا لطبيعة المكان خاصة فى المساجد والتى تتمثل فى القمريات أو الشمسيات وشبابيك ، أما الأضرحة المغطاة بالقباب فتمثل تلك الفتحات فى الأماكن الواقعة بين مناطق الانتقال وفي رقبة القبة في تكوين ما يعرف بالقنديلة البسيطة أو القنديلة المركبة.

ولقد تم استخدام الزجاج المعشق فى صنع النوافذ في بدايات القرن السادس عشر حيث تم تسميه الزجاج المعشق بهذا الاسم لإدخال الزجاج داخل قنوات الشرائط المعدنية ، وهو معروف في اللغة العربية بالعاشق والمعشوق ، والسبب أنه لو كان الزجاج معشقا بالرصاص ، يكون فيه العاشق هو الزجاج والمعشوق هو الرصاص. ويتم باستخدام هذه الشرائط تشكيل وزخرفة الزجاج للحصول على التصميم المطلوب، الذي من الممكن أن يكون رسما تجريديا، أو صورة أو أباجورة أو نافذة، أو قبة.

تعشيق إسلامي من العصور الوسطى

وبدايات هذا التكوين المعماري في تصميم زجاج النوافذ تعود إلى القرون الوسطى في أوروبا، حيث كان الفقراء يقومون بجمع بقايا الزجاج من نفايات الأغنياء ، ثم يقومون بلصقها وتجميعها الواحدة جنب الأخرى لتشكل ساتراً لنوافذ أكواخهم، إلا أن التكوين الجميل لتلك ألإبداعات لفت نظر الأثرياء الذين استهوتهم الفكرة، فطوروها على يد حرفيين ماهرين. وهكذا اصبح الزجاج المعشق الملون يزين واجهات القصور ونوافذ الكاتدرائيات والكنائس.

ولفترة طويلة كان توظيف الزجاج بألوانه البديعة في عملية البناء ضرورة لا غنى عنها عند تشييد القصور والأبنية. ومن أوروبا انتقل هذا الفن إلى فن المعمار الإسلامي وبرع البناؤون على مدار التاريخ الإسلامي في توظيفه كعنصر رئيسي من عناصر الديكور التي تضفي جمالاً وسحرا في العمارة الإسلامية، وانتشرت نوافذ الزجاج المعشق بالجص”الجبس”، كمظهر من مظاهر العمارة الإسلامية، ومن أشهر الأماكن التي استخدم فيها الزجاج المعشق في تكوين لوحات رائعة، نوافذ الجامع الأموي بدمشق، وجامع عمرو بن العاص بالفسطاط وجامع أحمد بن طولون في مصر. 

 

من أوائل التعشيق الإسلامي – الجامع الأموي

 

وتلعب الإضاءة التي تستخدم مع الزجاج المعشق دورا هاما في إبراز جمال هذه القطعة الفنية، كما يؤكد المهندس محمد الغتوري، وبخاصة الإضاءة الطبيعية لأنها تعطي جمالا وحياة لألوان الزجاج، تختلف حسب ساعات النهار، على عكس الإضاءة الصناعية فهي ثابتة لا تتغير. إلا أنه في حال انعدام مصدر للإضاءة الطبيعية، فمن الممكن اللجوء إلى الإنارة الصناعية خلف الزجاج المعشق. ومن الألوان المفضل استخدامها في ذلك الفن، الألوان القوية مثل الأزرق، الأصفر، الأحمر والبنفسجي، حيث تتميز بأنها تناسب كل ألوان الديكور والأثاث، وتتناسب مع كل الأجواء. بينما لا يفضل استخدام ألوان الباستيل مثل البيج أو الرمادي فيه، لأنها ستجعل لون الزجاج باهتاً، ولا تظهر قيمته الجمالية. وأنواع الزجاج المعشق متعددة لا يقتصر على نوع واحد، فهناك “الفيوزينك”، مثلا، ويتميز برسومات بارزة على سطحه، ويصنع عن طريق دمج عدة ألوان من الزجاج وصبها في قوالب خاصة ومعالجتها في الفرن الحراري تحت درجات حرارة عالية. الزجاج “السانديلست” أو ما يسمى”ضرب الرمل” ويتم لصق التصميم المراد على الزجاج، بحيث يكون الورق اللاصق فوق الأجزاء المراد لها أن تحتفظ بشفافية الزجاج، ويتم رش باقي الأجزاء بالرمل عن طريق جهاز خاص.

 

النافذة في الشعر

 

النافذة جرحٌ…قالوا للحائط بأنه سيختفي عندما يكبر!

“مي زيادة”

لقد شغلت النافذة الأدباء طويلاً، إذ ثمة تقاطعٍ بين الكتابة كمنفذٍ واختراق، وبين النافذة، بين الكتابة بوصفها إحالات لأمداء أخرى وبين النافذة بوصفها إحالةً أيضاً إلى غير الصدّ والمكوث. وعليه؛ فقد كانت متكأً وثيمةً ومجازاً لم يجتزه أو يتجاهله شاعر.

 قصيدة “بروفروك” – ت . اس. إليوت

لنمضِ إذاً، أنت و أنا،
حين ينتشر المساء في السماء
كمريضٍ مخدرٍ و ممددٍ على طاولة؛
لنمضِ في بعض الشوارع نصف الخالية،
تتراجع همهمات
الليالي القلقة في فنادق الهوى الرخيصة
والمطاعم المُغبرة بمحاراتها:
شوارعٌ تلاحقك كجدالٍ مضجر
سيء النية
لتقودك إلى سؤال يغمرك…
آه، لا تسأل، ‘ما الأمر؟’
لنمضِ و نقم بزيارتنا.

في الغرفة حيث تروح النساء و تجيء يتحدثن عن مايكل آنجلو.

الضباب الأصفر الذي يحكّ ظهره بزجاج النوافذ،
الضباب الأصفر الذي يحكّ أنفه بزجاج النوافذ،
لحس بلسانه زوايا المساء،
وتوقف عند البرك المتشكلة في المجاري،
ترك سواد الدخان المتساقط من المداخن يحط على ظهره،
ومرّ من الشرفة.. قام بقفزة مفاجئة،
ثم تكوّم، لكونها ليلة أكتوبرية رقيقة،
حول المنزل، ونام….

وبالفعل؛ سيكون هناك وقت
للأفعى الصفراء المنزلقة على طول الشوارع،
التي تحكّ ظهرها بزجاج النوافذ؛
سيكون هناك وقت، سيكون هناك وقت
لتحضير وجه يواجه الأوجه التي تقابلها؛
سيكون هناك وقت للقتل وللخلق،
ووقت لكل الأعمال وأيام الأنامل
التي ترفع وتدني سؤالاً على طبقك؛
وقت لك ووقت لي،
ووقت أيضاً لمئات الحيرات،
ولمئات الرؤى والمراجعات،
قبل تناول الكعك والشاي.

في الغرفة حيث تروح النساء و تجيء
يتحدثن عن مايكل آنجلو.

وقد عرفت الأعين سلفاً، عرفتها كلها –
الأعين التي تثبّتك في عبارة مُحكمة،
وعندما أثبت، ممدداً على دبوس،
عندما أثبت، متذبذباً على الجدار،
كيف لي أن أبدأ
بصقَ أعقاب الأيام و الطرقات؟
وكيف لي أن أجرؤ؟

أعلي أن أقول، مضيت عند الغسق إلى الشوارع الضيقة
و رأيت الدخان المتصاعد من غلايين
الرجال الوحيدين المرتدين قمصاناً بنصف كم، و هم يميلون خارج النوافذ؟…
كان عليّ أن أكون زوج مخالب غير مشذبة
تجوب قاع البحار الصامتة.

والأصيل، المساء، ينام بكل سلام!
وقد مسدته أنامل طويلة،
نائماً… متعباً… أو متمارضاً،
ممدداً على الأرض، هنا بالقرب مني و منك.
أعليّ، بعد الشاي والكعك وقطع الثلج،
أن أستجمع قواي وأدفع باللحظة إلى أزمتها؟
لكن رغم أنني قد بكيت و صمت، وبكيت وصليت،
ورغم أنني قد رأيت رأسي ]يزداد صلعاً قليلاً[
و قد جيء به على طبق،
لست نبياً – و ليس هذا بالشأن العظيم؛
رأيت لحظة عظمتي تتلألأ،
و رأيت الخادم الأزليّ يحمل معطفي،
و يشخر،
و باختصار، كنت خائفاً.

*******

أري شَبَحي قادماً من بعيد – محمود درويش

أُطِلُّ, كَشُرْفة بَيْتٍ, على ما أُريدْ

أُطِلُّ على أَصدقائي وهم يحملون بريدَ

المساء: نبيذاً وخبزاً

وبعض الرواياتِ والأسطواناتْ …

أُطلُّ على نَوْرَسٍ، وعلى شحنات جُنُودْ

تُغَيِّرُ أَشجارَ هذا المكانْ.

أُطلَّ على كَلْبِ جاري المُهَاجرِ

مِنْ كَنَدا، منذ عامٍ ونصف…

 

أُطلُّ على اسم “أَبي الطَيِّب المُتَنبِّي ”

المسافر من طبريَّا إلي مصر

فوق حصان النشيدْ

أطل علي الوردة الفارسية تصعد

فوق سياج الحديد

أُطلُّ, كشُرْفَةَ بَيْتٍ، على ما أُريدْ

أُطلُّ على شَجَرٍ يحرُسُ الليل من نَفْسِهِ

ويحرس نَوْمَ الذين يُحبُّونني مَيِّتاً …

 

أُطلُّ علي الريح تبحَثُ عن وَطَن الريحِ

في نفسها …

أُطِلُّ على امرأةٍ تَتَشَمَّسُ في نفسها …

أُطلُّ على موكب الأنبياء القُدامى

وهم يَصْعَدُون حُفَاةً إلى أُورشليم

وأَسْأَلُ: هَلْ من نَبيٍّ جديدٍ

لهذا الزمان الجديدْ؟

أُطلُّ، كشرفة بيت، على ما أُريدْ

أُطلُّ علي صورتي وَهْيَ تهرب من نفسها

إلي السُلَّم الحجريّ, وتحمل منديل أُمّي

وتخفق في الريح: ماذا سيحدث لو عُدْتُ طفلاً؟

وعدتُ إليكِ …

وعدتِ إليَّ

 

أُطلُّ علي جذع زيتونةٍ خبَّأتْ زكريّا

أُطلُّ علي المفردات التي انقَرَضَتْ في “سلسان العربْ”

أطل علي الفُرْس والرومِ والسومريّين

واللاجئينَ الجُدُدْ…

أُطلُّ على عِقْد إحدى فقيراتِ طاغورَ

تطحنُهُ عَرَبَاتُ الأَمير الوسيمْ…

أُطلُّ على هُدْهُدٍ مُجْهَدٍ من عتاب الملكْ

أُطلُّ على ما وراء الطبيعة:

ماذا سيحدث … ماذا سيحدث بعد الرماد؟

أُطلُّ على جَسَدي خائفاً من بعيدْ…

أُطلُّ, كَشُرْفَةِ بيتٍ, على ما أُريدْ

أُطلُّ على لُغَتي بَعْدَ يَوْمَيْن. يكفي غيابٌ

قليلٌ ليفتَحَ أَسْخِيلْيُوسُ البابَ للسِلْمِ,

يكفي خطابٌ قصير ليُشعل أَنطونيو الحربَ,

تكفي

يَدُ امرأةٍ في يدي

كي أُعانق حُريتَّي

وأَن يبدأ المدُّ والجَزْرُ في جَسَدي من جديدْ

أُطلُّ, كشرفة بَيْتٍ على ما أُريدْ

أُطلُّ على شَبَحي

قادماً

من

بعيد…

******

شباك وفيقة – بدر شاكر السياب

العالم يفتح شبّاكه
من ذاك الشباك الأزرق
يتوحد يجعل أشواكه
أزهاراً في دعة تعبق
**
شباك مثلك في لبنان
شباك مثلك في الهند
و فتاة تحلم في اليابان
كوفيقة تحلم في اللّحد
بالبرق الأخضر و الرعد
**
شباك وفيقة في القرية
نشوان يطل على الساحة
كجليل تحلم بالمشية
و يسوع
و يحرق ألواحه

*******

أعرني النافذة أيها الغريب – هالا محمد
أعرني النافذة يا غريب
أعرني هذه اللحظة
أرجوك
أعرني لحظة الغروب
تطلُّ على سوريا.
لمن تحكى الحكايا
انتهت الحرب يا حبيبي ولم يعد أحد إلى بيته
حتى البيوت لم تعد من الحرب
الطريق لم يعرف طريق العودة
الأرانب في الحقول
تحت الأعشاب البرية التي احترقت بالنابالم والكلور وغاز السارين
تغمض عينيها أمام الكاميرات
لا تريد أن تتصور.
لن يعرف العالم قصتنا
مات الأطفال
*******

 

أرمي الحياة من النافذة – مهند الخيكاني

نقفُ على شرفةٍ واحدة

وننتظر من الشخص الواقف في الخلف أن:

يصرخ…

نقف من أجل مشاهدة] واضحة

كيف سقطت على الأرض؟

ماذا يقول هذا الفم الكبير؟

لا أفهم!

يحاول الآخرون أن يشرحوا الجملة الماضية

لكن سرعان ما يصيبهم التأخر لفهم الحركات الأخرى

جمهورٌ كبير ينظر بشراهة إلى ألوان الحياة والموت

الفضول يكتسح الجميع

كيف لطفل في العاشرة أن يفهم الألم

لا أحد هنا يعطي للألعاب مكانتها

*

ولدنا معاً أنا وشجرة المنزل

كانت شجرةً كبيرةً وحكيمةً أيضا

نرميها بالحجارة فتعود لتثمر مرة أخرى

كان لها الفضل بأن نجتمع

أضحك وأتذكر كم مرةً أخطأنا وأصبنا زجاج النافذة

وكم أغضبنا جارتنا التي تعيش وحيدةً

والتي دخلت قصص الحيّ المخيفة

أظت أن أعمارنا الحقيقية بعدد الحجارة التي ألقيناها

وبعدد الكدمات التي نشعر بها من شدة الذنب

والتأنيب فيما بعد

مر وقت طويل وأنا لم ألق حجراً

لكني أصبحت شبيهاً بتلك الشجرة

وكثيرون حولي تملؤهم الكدمات

******

طائرٌ على النافذة – سوار الملا

كلّ ليلةٍ سيشرف طائر على نافذتكِ، طائر ألبستُه نظراتيّ

ليحدِّق في عينكِ المتوهجة كنجم أخيرٍ لا يزول،

في عينكِ السّاهرة كالأبديَّة، في جمالكِ النقيّ مثل زهرةٍ لم تهزّها يدٌ بعدُ.

********

 

الموتى يقفزون من النافذة – فتحي عبدالسميع

 

عتمةٌ صغيرةٌ بقيت من الثعبان

تتمدد فوقَ تُرابٍ امام بيتي

لا يمحوها الضوء، ولا يراها العابرون

وكلما اقتربَ ظلُ منها

تهم بالبكاء، ولا تستطيع

****

أنظرُ بمودةٍ لكل شيء

حتى العتلة التي تجولُ داخلي

رغم اصطكاك أسناني

من صوتِ انخلاعِ المسامير

أريدُ ان احدثَ أصدقائي

عن شيخوخةٍ لا تصنعُها السنوات

اريدُ أن احدثهم

عن وقعِ أقدامٍ عسكرية

أسمعها كلما انتهيتُ من ضحكةٍ

او من ارتشافِ كوبٍ من الماء

أريدُ أن أحكي لأيِ مخلوقٍ

عن موتى يقفزون من النافذة

ويشبكون سواعدهم وسيقانهم حول جسدي

لا شك أنهم استيقظوا

******

الخضر والرماد – جوزيف حرب

فتحتُ في الجدار نافذةً

لا كي أرى ما قد ترى

عيني من الشرفة

بل

كي أرى الغرفة!

******

النافذة في الأدب الفرنسي من القرن التاسع عشر حتى اليوم

كتبت مناهل السهوي

يُقال أن القرن التاسع عشر في فرنسا هو قرن النوافذ، العصر الذي شهد ذروة ثورة النوافذ في الأدب فلا يكاد يخلو كتاب منها، لكن النوافذ وجدت قبل ذلك بكثير في فرنسا فلا تكاد تخلو منه كاتدرائية أو معلم تاريخي، ومن الطبيعي أن يترك هذا الأثر على الأدب لكن النافذة لن تبقى شكلاً معمارياً وهندسة زخرفية إنما ستتحول لشكل من أشكال التواصل مع الخارج ومحاكاة المشاعر والأحداث.

ربما تكون النافذة واحدة من العناصر الأكثر جاذبية للكُتّاب فهي مادة ممتازة للوصف، إضافة إلى أنّها تمنح قوة سردية خاصة متعلقة بالداخل والخارج معاً، الموت\ الحياة والمتناقضات في جميع صورها، فنظرة الشخص من خلف النافذة هي نظرة تأملية للعالم الخارجي الذي نُظّمَ داخل إطار محدد وهو النافذة، كما أن النافذة تلعب دوراً في التخييل، فالمصاريع المفتوحة والستائر شبه المغلقة تترك للخيال مساحة لتشكيل العالم غير المرئي خلفها وخلق حيوات أخرى، أما مجازياً فتشكل النوافذ تشكل عيون المنازل المضاءة، المتلصصة على الخارج والمُتلصَصُ على الداخل من خلالها.

تقدم النافذة شكلاً مجازياً إبداعياً مرتبطة بالإبداع الفني خلال عصر لنهضة، لكن وظيفتها لا تتوقف هنا، فهي كذلك مساحة لانتظار الحبّ حيث تنمو الرغبة، لكنها في النهاية هي الفاصل بين العالم الخارجي والعالم الداخلي الحميمي والخاص.

مع كلّ التغيرات اليوم التي أدت إلى تغيير دور النافذة أدبياً وواقعياً يتساءل الكاتب ديل لونغو في كتابه “النافذة: علم الألفاظ وتاريخ التمثيل الأدبي”، وحسب اندريا ديل لونجو فالنافذة، ليست مجرد عنصر مرجعي، أو أداة تواصل إنما يمكن التعامل معها كنموذج أولي لفهم الأشكال الحسية في العالم.

في بداية الحديث عن القرن التاسع عشر لا يمكن نسيان قصيدة بودلير “النوافذ”، ففي قصيدته هذه لا يسعى بودلير إلى النافذة بوصفها جزءً مكانياً بل يغوص فيها كبعد نفسي للشاعر، يعكس صورة موازية له، يقول: “ان ما يستطيع الإنسان رؤيته في الشمس يعد أقل إثارة للاهتمام من ذلك الذي يحدث خلف الزجاج” لتصبح النافذة سبيلاً لمعرفة نفسه، وإثراء تفكيره. أما في قصيدة “منظر طبيعي” فيشكل بودلير عالمه المتخيل من خلال نافذة مغلقة حيث يرى خلفها الحياة والنجوم والجمال، لتتحول النافذة إلى مساحة للتخيل حتى لو كانت مغلقة فهي تمنح الرائي مجالات واسعة حتى لو بدت جزء من الحائط.

ستتخذ النافذة بُعداً إغوائياً في رواية “كاهن القرية” لبلزاك، تجلس فيرونيكا عند النافذة حيث تقوم بأعمال الخياطة، لكنها بما تقوم به تجذب المارة وتمارس هنا الغواية عن بعد من خلال هذا الإطار المكاني، فتشكل النافذة وسيلة للتواصل بين أشخاص لا ينتمون إلى نفس العالم، وأداة غير مقصودة للغواية.

ترتبط النافذة في رواية مدام دو بوفاري لكاتبها غوستاف فلوبير، بشخصية إيما التي تفكر بالهرب منها لا بل وبالانتحار لكنها لا تفعل أي من هذا في النهاية وعلى الرغم من كلّ النوافذ من حولها وقدرتها على رؤية الخارج من خلالها إلا أنّها لا تُقدم على أي خطوة وكأنّ النافذة تتحول إلى فكرة، وعلاج تترد في الحصول عليه.

أما في القرن العشرين فيبدو لنا أن رواية الطاعون لألبير كامو تتناول النافذة بطريقة مختلفة تماماً إنها دليل على ثبات الأشياء في البداية وزوالها وتغييرها في النهاية، فالطبيب برنارد الذي يطل على مدينة وهران قبل انتشار الطاعون، تبدو له المدينة عادية جداً، لكن الطبيب سيتأمل المدينة مجدداً حين تتحول شيئاً فشيئاً إلى مدينة أخرى غير تلك التي شاهدها في البداية، في النهاية سيكون التأمل من خلال النافذة شاهداً على نهاية الطاعون وآلام الفقدان لكن بحذر شديد، فالطاعون قد يعود في أي لحظة، تتحول النافذة في رواية الطاعون إلى مساحة تأملية فلسفية، حيث نراقب من خلالها العبث في أقسى صوره.

وبالانتقال إلى القرن الواحد والعشرين فلا بد من تذكر رواية “امرأة في النافذة”،  ل آ.ج فين، تعاني آنا مشكلة مع الشرب ومشاكل في حياتها الزوجية، تقضي أيامها  في التجسس على الجيران من خلال النافذة حيث يغدو الزجاج عيناً نلاحق بها حيوات الآخرين، لكن النافذة تصبح هنا خطيرة حيث تشهد آنا في ليلة من الليالي جريمة قتل لكن هنا يختلط الواقع بالوهم وتدخل في صراع بين الحقيقة والهلوسة، تتحول النافذة هنا إلى مشارك في الحدث وعنصرٍ يقلب الأحداث ويعقّد الواقع، فبدون النافذة لم تكن آنا لتشهد الجريمة ولم تكن للتسارع  أحداث الرواية.

هكذا ومن خلال بعض الأمثلة من الأدب الفرنسي تبدو النافذة عنصراً قابلاً للتطور والامتثال لاحتياجات الكاتب التقنية والنفسية، وهذا ما يجعلنا نفكر أنها ستكون في المستقبل عنصراً أساسياً في الكتابة وقد تمتلك صفات ودلالات أكثر مما نمتلكه اليوم رغم الخطر الذي تواجهه النافذة بسبب التطور التقني واستبدالها بمساحات أخرى أكثر تنوعاً واتساعاً ربما، فعلى حد قول اندريا ديل لونجو فإن شاشة الحاسوب اليوم هي شكل النافذة الحقيقية للعصر الجديد بمفهومه الرؤيوي فهي مساحة للإبداع من خلال الصورة والكتابة والفيديو والاتصال بالآخر من خلال الكاميرة، وهذا ما قد يشكل تحدياً برأينا للنافذة في حالتها الأصلية في الواقع والإبداعية في الكتابة حتى. في النهاية لا يسعنا سوى تذكر أغنية نوافذ لجاك بريل حيث تتحول النوافذ إلى أشخاص يمتلكون مشاعر الحب والحسد والنميمة والحزن والسخرية، الأغنية الساخرة تصنف النوافذ بطريقة ذكية، وهي بذلك تصنف الأشخاص الذين يقبعون خلفها.

 

النافذة في المسرح

 الهروب واللقاء، الأمل والجمهور.

كتب زياد العامر

المسرحيون يُلقون أنفسهم من النافذة منذ بومارشيه وأريدينسكي وحتى الآن، فالنافذة وسيلة الهرب المسرحية المفضلة، ولكنها وسيلة للقاء وللأمل، ومنذ أن قفز (شيروبينو) من الشباك قفزته الشهيرة في زواج فيغارو، خوفاً من ألا يكتشفه الكونت، والمسرحيون يستخدمون هذه الحيلة، ولربما استخدم كاتب المسرحية (بومارشييه) نافذته هذه بأسلوبه الساخر المُعتاد ليقول للشعب الفرنسي، الذي كان مقبلاً على ثورته الشهيرة، أن وسيلة نجاته الوحيدة من (كونتاتهم) هي القفز.

بينما كان لنافذة المسرحي البولندي إرينيوش أريدينسكي 1939- 1985 رأيٌ آخر، إذ استخدمها ليوحي بأمل ما بعد تعرض بلاده للتدمير على يد هتلر في الحرب العالمية الثانية، بولندا التي خسرت في غزو هتلر ما يقارب الأربعة مليون وثمانمئة ألف قتيل، لم يكن لها من الأمل ربما سوى نافذة أريدينسكي، لقد كان لنافذته أثر كافٍ لأن تكون إحدى أشهر مسرحياته (النافذة) وأكثرها ترجمةً إلى لغات أخرى ونيلاً للجوائز، تلك النافذة التي أمضى بطل مسرحيته وقته كلها ينظر إليها وكأنها نهاية العالم، النافذة التي أبعدته عن زوجته والعالم والحياة كلها، النافذة  التي كانت تبدو كأنها (غودو) الخاص بصمويل ببيكيت، لكنها غودو يأتي في النهاية.

وبالوصول إلى صمويل بيكيت ومسرحه العبثي، لا بد أن نشير إلى نافذته في مسرحيته “نهاية اللعبة” أو بالأحرى هما (نافذتان)، لا أحد يمكنه تسلقهما سوى (كلوف)، لينقل أخبار العالم إلى والديه وجديه، الوقت متوقف على الصفر الكوني، المكان صفر، وكل شيء صفر، الأجيال معطوبة و (كلوف) الأمل الوحيد القادر على تسلق السلم إلى العالم، لا يجلب سوى أخبار الموت، واللاشيء، إنها تمثل القلق الذي يتنقل بين النافذتين ليطل على أفول العالم، كتب بيكيت نافذتاه هاتين بعد (في انتظار غودو) مباشرةً ولربما كانتا غودو نفسه.

وإذ تكون النافذة أملاً ومهرباً وإطلالة ما، ربما تكون المسرح كُله، بخشبته وستائره وكواليسه، كما فعل الإيطالي (داريو فو) في مسرحيته (امرأة وحيدة)، لقد جعل من المسرح (نافذة) تفتتح ستائرها تلك المرأة الوحيدة ليطل الجمهور على غرفتها الخاصة، وذلك في لعبة عبقرية جاعلاً من ستارة المسرح ستارة النافذة ذاتها، لنُطل على عوالمها الداخلية، على تفاصيلها وهمومها، أسرارها وأسرار عائلتها، لقد جعل داريو من الجمهور متلصصاً عبر النوافذ على حيوات الآخرين.

وأما الشرفة، فلا يمكن ذكرها دون ذكر (شرفة جولييت) الشهيرة، الشرفة التي أضحت أيقونةً في عالم المسرح، وحتى الآن، ما زالت الفتيات تتوافدن إلى فيرونا وتحديداً إلى حي (فيا كابيلو) لتشاهدن منزل جولييت ويقفن على شرفتها، ليتقمصن شخصيتها وهي تلتقي بعشيقها روميو في تلك اللقاءات الليلية المسروقة عن نظر العائلة.

شرفة جولييت

وقد تكون الشرفة دلالة لتفرد ما، لحالة إنسانية بكامل تنوعها وتناقضاتها، تطلعاتها، ومشاكلها، مثلما فعل الكاتب الإسباني (أليخاندرو كاسونا) في مسرحيته (المنزل ذو الشرفات السبع)، البيت المكون من طابقين وسبعة شرفات كل منها تحكي تفرد شخص من قاطني المنزل، إنها شرفات مُطلة على حياتهم.

ولا يُمكن ذكر الشرفة في المسرح بناحيتها الاستدلالية، دون التطرق إلى الشرفة بحالتها العمرانية أيضاً، فعلى الرغم من أن معظم المسارح تبنى بحيث يكون أبناء الجمهور سواسية وعلى مقاعد متشابهة، فإن لمسرح الـ(أوديتوريوم) رأيٌ آخر، إذ يبنى المسرح بشرفات متعددة باذخة الكساء والديكور وقد تشكل على شكل صناديق لتعتبر مقاعداً للنخبة فقط.

ختاماً إن المسرح ابن الحياة البار، يتشكل على شاكلتها، وللنوافذ والشرفات سواءً بمعناها الرمزي نحو الامل والمستقبل أو بحضورها المادي الديكوري، حضورٌ حتمي على خشبة عليها أن تلخص الحياة بأكملها.

 

النافذة بوصفها جامعةً لكل الفنون

كتب هاني نديم

في عالم الإبداع المحتاج للإحالات والمجازات، تلعب النافذة دور البطل الموهوب الذي يقوم بكل الأدوار، البطل الذي لا نملّه أبداً، المتغير والمتجدد، إنه رمزٌ مفضلٌ لدى المبدعين أينما كانوا، النافذة هي الخامة “الجاهزة” للأدب والرسم والسينما وبقية الفنون. لقد قرر المبدعون جميعهم بحزمٍ تحميل النافذة ما تعذّر على الحضور، فهي كسرٌ وقطع بصري ومعرفي وحسّي. يؤكد أو ينفي..إلا أنها لا تكون على الحياد أبداً. النافذة هي الرؤية والامتداد الذي ينقص الداخل، تستطيع أن تعلق عليها كل الرؤى، الملل، الحب، الذاكرة، النسيان، التعب، الحزن، الفرح، الأمل، اليأس.. فراغها يعني ويقصد!

لنتأمل قليلاً، النافذة لوحةٌ داخل لوحة، وقصيدةٌ داخل قصيدةٍ، ومسرحٌ داخل مسرح، كما أنها أيضاً حوار مع الطبيعة، هنالك لغة صامتة بين الداخل والخارج. هنالك صمتٌ مطبق وأوجه خلاف أو احتمالات تواطؤ محتملة بين المطارح..

قالوا: العين نافذة الروح، والفم بابها، ويقارب هذا المعنى قول باسكال ديثورينز: “إذا كانت اللوحة هي عين الشعراء، فإن الشعر هو المخطط الأولي للكانفاس” أيضاً، أفكّر برينيه شار الذي يقول: “الرسامون حلفاء أساسيون للشعراء، الرسامون شعراء أطلوا من النافذة”. صحيح، أوليست اللوحة نافذة؟ نافذة حقيقية نرى من خلالها مشهداً ثابتاً يحرك ذكرياتنا وعواطفنا مثل النافذة تماما؟ حسنٌ، شاشة السينما ألا يصلح أن نقول عليها نافذة؟ المسرح أيضاً، التلفاز والمنصات؟ يا للسعة والنوافذ!

فيليني المخرج الإيطالي، و(الرسام والشاعر والمصور والكاتب) أولع بالنافذة، واتكأ عليها كثيراً في أفلامه فلا تمرّ مرور الكرام، حينما قرأت كتابه “كيف تصنع فيلماً” فهمت (تقريباً) سرّ تعلّقه بالنوافذ، في مشهدٍ يستذكره فيلليني وهو طفل يمرّ في مدينة ريميني، وفي شارع فومغالي حيث منزله الذي لم يره أبداً،  يقول: “كان عددنا ستة داخل السيارة، أنا وأشقائي ووالداي والخادمة، كنا مكدّسين في الظلام، وكان علينا إغلاق النافذة بسبب المطر الشديد، تعذّرت علي الرؤية في الظلام باستثناء وجهي أبي وأمي، استدارت العربة إلى شارعٍ لم ندخله من قبل، أمام مجموعة من الأبنية المتلاصقة، أشار أبي إلى واحدة منها وقال: هنا ولدت يا فيدريكو.. وانزلقت العربة في الظلام”.

هل ينفع أن نقول “نافذة” دون ذكر بيكاسو الذي جعلها موضوعاً مشتركاً في معظم لوحاته؟، منذ عامين أقيم في هامبورغ معرض يجمع 40 عملاً لبيكاسو موضوعهم “النافذة”. وكان عنوان المعرض “نوافذ بيكاسو للعالم”.

فان غوخ حينما دخل بمراحله الأخيرة من الكآبة، كان يغلق كل النوافذ بالأقمشة كي لا يدع شيئاً من العالم الخارجي ينزلق إلى عدمه، على حد وصفه، بينما يعكس الفكرة المسرحي البولندي إيرادنسكي، ليجعل عالماً من الحب والأمل يندلق من النافذة على زوجين باتت علاقتهما شبه ميتة.

اللوحة الأشهر في هذا المجال، هي لوحة دالي “الفتاة عند النافذة” والتي رسمها على غير منهجه ومدرسته، امرأة شفيفة تعطي المتلقي ظهرها فنرى معها المشهد من النافذة، خليج كاداكيس، يربط الكثير من النقاد بين تلك اللوحة وبين لوركا، الشاعر الإسباني الذي كان دالي يحبه، إذ كتب معظم روائعه من ذات الإطلالة، يقول بينكوراب: “لعل دالي رسم لوركا، فهذا الأزرق الشفيف هو شعر رومانسي، على غير عادة دالي”!

أكتب هذا وأفكر أين وضعت كتاب د.شاكر لعيبي “شعرية التنافذ” وفيه يقارن بين قصيدة ريلكة “النوافذ” وقصيدة السياب “شباك وفيقة”، لعيبي الذي فرق بين “الشباك” كمصطلح تراثي يحيلنا للشبك والحديد وبين النافذة بوصفها قيمة شعرية.

فرانز شوبارت الموسيقي الألماني الشهير، لحن أغنية بديعة اسمها “ضوء من النافذة “وهي أغنية تحكي قصة قارب وصياد يعشق نافذةً بعيدةً مضاءة في الليلـ القصيدة التي كتبها شاعر شاب لم يلتق شوبان، نقل للموسيقار العظيم أحاسيس عدة لدرجة أن سيّد السوناتات والموسيقى المتزمتة لحن أغنيةً حاكت مشاعره. يقول أحد النقاد الفنيين، لقد قسم شوبان اللحن إلى نوافذ أيضاً، اختار أصعب طريقة للتلحين والغناء. ولكنه ترك لنا تحفةً موسيقية.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق